قطوف من سيرة الإمام الوالد عبد العزيز ابن باز رحمه الله

بسم الله الرحمن الرحيم

الإمام العلامة عبد العزيز بن باز ( 1335 هـ – 1420 هـ )

” إن الصبر ومرور الزمن الطويل ، يصنعان من القوة أكثر مما يصنعه التهيج الغاضب ” – الملك فيصل بن عبد العزيز –

الإمام العلامة الوالد واحد عصره وفريد زمانه سماحة الشيخ عبد العزيز ابن باز – رحمه الله تعالى وأسكنه فسيح جناته – مفتي الديار السعودية وأحد أعلام علماء المسلمين في العصر الحديث ، كان حجةً في رأيه عذباً في حديثه ليّن الجانب في معاملته لا يخشى في الله لومة لائم لا عتاب معاتب . كانت وفاته خسارة حقيقية للمسلمين بصفة عامة وللسعوديين بصفة خاصة الذين اتخذوه أباً ومربياً قبل أن يأخذوه عالماً ومفتياً .

ابن باز :

ولد في ذي الحجة سنة 1335هـ بمدينة الرياض وكان بصيرا ثم أصابه مرض في عينيه عام 1346هـ وضعف بصره ثم فقده عام 1355هـ .

حفظ القرآن الكريم قبل سن البلوغ ثم جد في طلب العلم على العلماء في الرياض ولما برز في العلوم الشرعية واللغة عين في القضاء عام 1357 هـ ولم ينقطع عن طلب العلم حتى وفاته ، حيث لازم البحث والتدريس ليل نهار ولم تشغله المناصب عن ذلك مما جعله يزداد بصيرة ورسوخا في كثير من العلوم وقد عني عناية خاصة بالحديث وعلومه حتى أصبح حكمه على الحديث من حيث الصحة والضعف محل اعتبار وهي درجة قل أن يبلغها أحد خاصة في هذا العصر وظهر أثر ذلك على كتاباته وفتواه حيث كان يتخير من الأقوال ما يسنده الدليل .

اتّصف الشيخ عبد العزيز بلين الجانب وخفض الجناح من ناحية والشجاعة والجرأة والجهر بالحق من ناحية أخرى مع سكينة ووقار وسماحة وسعة صدر وحسن إصغاء .

مشايخه :

تلقى العلم على أيدي كثير من العلماء ، ومن أبرزهم :

1- الشيخ محمد بن عبد اللطيف بن عبد الرحمن بن حسن بن الشيخ محمد بن عبد الوهاب ( قاضي الرياض ) .

2- الشيخ صالح بن عبد العزيز بن عبد الرحمن بن حسن بن الشيخ محمد بن عبد الوهاب

3- الشيخ سعد بن حمد بن عتيق ( قاضي الرياض ) .

4- الشيخ حمد بن فارس ( وكيل بيت المال في الرياض ) .

5- سماحة الشيخ محمد بن إبراهيم بن عبد اللطيف آل الشيخ ( مفتي المملكة العربية السعودية ) وقد لازم حلقاته نحوا من عشر سنوات وتلقى عنه جميع العلوم الشرعية ابتداء من سنة 1347 هـ إلى سنة 1357 هـ .

6- الشيخ سعد وقاص البخاري ( من علماء مكة المكرمة ) أخذ عنه علم التجويد في عام 1355 هـ .

آثاره :

منذ تولى القضاء في مدينة الخرج عام 1357 هـ وهو ملازم للتدريس في حلقات منتظمة حتى أواخر أيامه ، ففي الخرج كانت حلقاته مستمرة أيام الأسبوع عدا يومي الثلاثاء والجمعة ، ولديه طلاب متفرغون لطلب العلم من أبرزهم :

1- الشيخ عبد الله الكنهل .

2- الشيخ راشد بن صالح الخنين .

3- الشيخ عبد الرحمن بن ناصر البراك ز

4- الشيخ عبد اللطيف بن شديد .

5- الشيخ عبد الله بن حسن بن قعود .

6- الشيخ عبد الرحمن بن جلال .

7- الشيخ صالح بن هليل . وغيرهم .

في عام 1372 هـ انتقل إلى الرياض للتدريس في معهد الرياض العلمي ثم في كلية الشريعة بعد إنشائها سنة 1373 هـ في علوم الفقه والحديث والتوحيد إلى أن نقل نائبا لرئيس الجامعة الإسلامية بالمدينة المنورة عام 1381 هـ وقد أسس حلقة التدريس في الجامع الكبير بالرياض منذ انتقل إليها ولازمها كثير من طلبة العلم وأثناء وجوده بالمدينة المنورة من عام 1381 هـ نائبا لرئيس الجامعة ورئيسا لها عام 1390 هـ إلى 1395 هـ عقد حلقة للتدريس في المسجد النبوي .

مؤلفاته :

1- مجموع فتاوى ومقالات متنوعة .

2- الفوائد الجلية في المباحث الفرضية .

3- التحقيق والإيضاح لكثير من مسائل الحج والعمرة والزيارة ( توضيح المناسك ) .

4- التحذير من البدع ويشتمل على أربع مقالات مفيدة : ( حكم الاحتفال بالمولد النبوي وليلة الإسراء والمعراج وليلة النصف من شعبان وتكذيب الرؤيا المزعومة من خادم الحجرة النبوية المسمى : الشيخ أحمد ) .

5- رسالتان موجزتان في الزكاة والصيام .

6- العقيدة الصحيحة وما يضادها .

7- وجوب العمل بسنة الرسول صلى الله عليه وسلم وكفر من أنكرها .

8- الدعوة إلى الله وأخلاق الدعاة .

9- وجوب تحكيم شرع الله ونبذ ما خالفه .

10- حكم السفور والحجاب ونكاح الشغار .

11- نقد القومية العربية .

12- الجواب المفيد في حكم التصوير .

13- الشيخ محمد بن عبد الوهاب ، دعوته وسيرته .

14- ثلاث رسائل في الصلاة :

(أ) كيفية صلاة النبي صلى الله عليه وسلم .

(ب) وجوب أداء الصلاة في جماعة .

(ج) أين يضع المصلي يديه حين الرفع من الركوع ؟

15- حكم الإسلام فيمن طعن في القرآن أو في رسول الله صلى الله عليه وسلم .

16- حاشية مفيدة على فتح الباري .

17- رسالة الأدلة النقلية والحسية على جريان الشمس وسكون الأرض وإمكان الصعود إلى الكواكب .

18- إقامة البراهين على حكم من استغاث بغير الله أو صدق الكهنة والعرافين .

19- الجهاد في سبيل الله .

20- الدروس المهمة لعامة الأمة .

21- فتاوى تتعلق بأحكام الحج والعمرة والزيارة .

22- وجوب لزوم السنة والحذر من البدعة .

23- تحفة الأخيار ببيان جملة نافعة مما ورد في الكتاب والسنة الصحيحة من الأدعية والأذكار .

هذا ما تم طبعه ويوجد له تعليقات على بعض الكتب مثل : بلوغ المرام ، تقريب التهذيب للحافظ ابن حجر ( لم تطبع ) ، التحفة الكريمة في بيان كثير من الأحاديث الموضوعة والسقيمة ، تحفة أهل العلم والإيمان بمختارات من الأحاديث الصحيحة والحسان ، إلى غير ذلك .

وفي الرابع عشر من شهر شوال عام 1395 هجرية أصدر الملك خالد بن عبد العزيز – رحمه الله – أمرا ملكياً بتعيين الشيخ ابن باز رئيساً عاماً لإدارات البحوث العلمية والإفتاء والدعوة والإرشاد بمرتبة وزير ، وفي شهر محرم من عام 1414 هجرية وبمقترح من الشيخ ابن باز صدر أمر ملكي من خادم الحرمين الشريفين الملك فهد بن عبد العزيز بإنشاء وزارة للشئون الإسلامية والدعوة والإرشاد والأوقاف ، ويتضمن الأمر الملكي تعيين ابن باز في منصب المفتي العام للمملكة العربية السعودية ورئيساً لهيئة كبار العلماء التي كانت رئاستها دورية بين أعضائها من الكبار سناً – ورئيساً لإدارة البحوث العلمية والإفتاء بمرتبة وزير حيث ظل يشغل هذا الموقع إلى أن لقي ربه .

وقد عرف ابن باز كمحدث وعَلَم من أعلام الإسلام في هذا الزمان فقد برز في علوم الحديث بعد أن قرأ كتب السنة ووعاها وتخصص إلى جانب معرفة فقهها في التمييز بين صحيحها وضعيفها حتى أصبحت أحكامه على الأحاديث من حيث الصحة والضعف مرجعاً للمستفيدين وباتت فتاواه ومحاضراته ودروسه المكتوبة والحية وعبر برنامجه الشهير ( نور على الدرب ) الذي تبثه إذاعة القرآن الكريم من المملكة العربية السعودية معينا لا ينضب للباحثين عن الهداية والراغبين في الاستزادة من علوم الشرع والدين في أنحاء المعمورة مما عزز من مكانة ابن باز كمحدث ، كما أقر ابن باز – رحمه الله – منهجاً لم يكن معروفاً في عالمنا الإسلامي في عصرنا هذا وهو الإفتاء بالاستناد إلى القرآن الكريم وصحيح السنة النبوية حيث إن معظم المفتين يعتمدون في فتاواهم على ما ذكره علماء المذاهب الإسلامية في السؤال موضوع الفتوى .

كما تقلد الإمام – رحمه الله – مناصب أخرى ، منها أنه كان :

– رئيساً وعضواً في المجلس التأسيسي لرابطة العالم الإسلامي .

– رئيساً للمجلس الأعلى العالمي للمساجد .

– رئيساً للمجمع الفقهي الإسلامي بمكة المكرمة التابع لرابطة العالم الإسلامي .

– عضواً في المجلس الأعلى للجامعة الإسلامية في المدينة المنورة .

– عضواً في الهيئة العليا للدعوة الإسلامية .

حاز الإمام – رحمه الله – جائزة الملك فيصل العالمية لخدمة الإسلام عام 1402 هـ وتبرع بقيمتها إلى دار الحديث ؛ دعماً لطلاب الحديث ورعاية لهم وهذا مما يدلل على اهتمام الإمام البالغ بالحديث النبوي الشريف .

قال عنه الشيخ الشهيد أحمد ياسين – رحمه الله – ( مؤسس وزعيم حركة الجهاد الإسلامي ” حماس ” في فلسطين ) :

” كان ابن باز علامة ومرجعاً إسلامياً على النطاق العالمي ، له باع طويل في الدفاع عن قضايا الإسلام والمسلمين وهو على قدر كبير من العلم والتمسك بطريق السلف الصالح السائرين على منهج الكتاب والسنة في الدعوة الإسلامية .

ولن أنسى موقفه حين جاءه بعض الناس يطلبون رأيه بالسلام مع إسرائيل فأخرج لهؤلاء بياناً لحركة حماس جاء فيه : إن أرض فلسطين كلها أرض وقف إسلامي لا يمكن التفريط بها أو التنازل عنها . وهو عالم المرحلة الذي ترك بصمات واضحة في العصر الحاضر ” .

وقال عنه الشيخ د . عايض بن عبد الله القرني :

إن قام سوق العلم فهو كمالك * أو مد باع الزهد فالشيباني
أو غاص في التفسير قلت مجاهد * والفقه والتعليم كالنعمان
وإذا تزاحمت الوفود فحاتم * وكأحنف في الحلم والغفران

ويقول د . عبد الرحمن العشماوي :

هو قلعة العلماء قد بنيت على * ثقة بعون الخالق المنان
وأمامها هزمت دعاوى ملحد * وارتد موج البغي والبهتان
وتطايرت شُبه العقول لأنها * وجدت بناءً ثابت الأركان
هو قلعة ظلت تحاط بروضة * خضراء من ذكر ومن قرآن

وفاته :

انتقل إلى رحمة الله تعالى يوم الخميس 27 محرم 1420 هـ عن عمر يناهز التسعين عاماً ، وصُلي عليه بالحرم المكي الشريف يوم الجمعة 28 محرم كما صلي عليه صلاة الغائب في جميع مساجد المملكة والعديد من المساجد في الدول العربية والإسلامية وقد تم دفنه في مقبرة العدل بمكة المكرمة .

رحم الله شيخنا الجليل وأسكنه فسيح جناته مع النبيين والصديقين والشهداء وحسن أولئك رفيقاً .

المرجع :

أيتام غيروا مجرى التاريخ  ، عبد الله صالح الجمعة حفظه الله ، ط / العبيكان ” 81 – 89 ” ، فصل : الإمام العلامة عبد العزيز بن باز رحمه الله ، بتصرف.

 

 

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *