قطوف من سيرة صقر قريش رحمه الله

بسم الله الرحمن الرحيم

عبد الرحمن الداخل ( 113 – 172 هـ )

” لو أصغت الطبيعة إلى مواعظنا في القناعة ، لما جرى فيها نهر إلى البحر ، ولما تحول شتاء إلى ربيع ”

– جيران –

هو عبد الرحمن بن معاوية بن هشام بن عبد الملك بن مروان ، ولد سنة 113هـ وكان والده سيداً من سادات بنيأمية وكانت والدته أم ولد ” جارية ” بربرية كانت من سبي بربر نفزة وكانت العرب قد أوقعت بهم في بعض الغزوات ، مات أبوه وهو صغير فكفله جده الخليفة هشام بن عبد الملك وأجرى عليه وعلى أخوته الأرزاق .

نهاية الدولة الأموية في المشرق :

اضطربت أحوال بني أمية بعد هشام بن عبد الملك الذي كان آخر من سلك طريق المجد من خلفاء بني أمية إذ اضطرب بعده حبل بني أمية وتداعت دولتهم وقتل بعضهم بعضاً .

ولم يمض بعد ذلك زمن طويل حتى رفعت الدولة العباسية راياتها السود على مرو وبايع الناس في الكوفة لأبي العباس السفاح أول خلفاء الدولة العباسية الذي أرسل جنوده للقضاء على مروان بن محمد آخر خلفاء بني أمية ووقعت بين الفريقين معركة هائلة هي معركة الزاب الأكبر وذلك سنة 132 هـ .

انهزم الخليفة مروان بن محمد في هذه المعركة وأصاب جنده مقتلة عظيمة وأخذ يتنقل هارباً من بلد إلى آخر ويتبعه جيش بني العباس لقتله حتى وصل إلى مصر واختبأ في كنيسة بقرية أبو صير إلا أن العباسيين اقتفوا أثره وهجموا عليه وقتلوه بعد معركة استمرت عشرة أيام وباستشهاده – رحمه الله – انتهت دولة بني أمية وانتقلت خلافة المسلمين إلى بني العباس.

ولم يكتف العباسيون بقتل مروان بن محمد بل قاموا بقتل كل من يقع تحت أيديهم من بني أمية أو مواليهم أو قوادهم ، ووقعت في هذا مذابح جماعية عظيمة كان ضحاياها من بني أمية وكثير منهم ممن لبى دعوة العباسيين إلى الأمان فأخذوا يتوافدون على مجالسهم بعد أن أعطوا الأمان من القتل إلا أن العباسيين غدروا بهم وحصدوهم حصداً في مجالسهم وفي دور الأمان الذي زعموه . كما قام سليمان بن علي ( عم السفاح ) بقتل الأمويين ورمي جثثهم على الطرقات تأكلها الكلاب .

ولم يكتف العباسيون بقتل الأحياء من بني أمية بل إنهم عمدوا إلى نبش قبور موتاهم تشفياً منهم ومحواً لآثارهم حيث قام عبد الله بن علي ( أحد قواد العباسيين ) بنبش قبر معاوية بن أبي سفيان – رضي الله عنه – فلم يجد إلا خيطاً مثل الهباء ونبش قبر معاوية بن أبي سفيان – رضي الله عنه – فلم يجد إلا خيطاً مثل الهباء ، ونبش قبر يزيد بن معاوية – رحمه الله – فوجد فيه حطاماً كأنه الرماد ، ونبش قبر عبد الملك بن مروان – رحمه الله – فوجد جمجمته وأعضاء متفرقة غير أن هشام بن عبد الملك – رحمه الله – وجد صحيحاً لم تبل منه إلا أرنبة أنفه فضربه بالسياط وصلبه وحرقه وذراه بالريح !

وبلغ من قسوة بني العباس على بني أمية أن قال المؤرخ الشيخ المؤرخ العلامة محمد الخضري بك : ” وأما بنو العباس فقد قسوا في معاملة بني أمية قسوة ربما لم نجد لها مثيلاً في الدول التي قامت على أثر دولة أخرى”.

وأمام هذه المجازر المتلاحقة لم يعد أمام من نجا من بني أمية إلا الهرب والتخفي وحتى هذه الوسيلة لم تنجح في خلاص الأغلبية منهم فقد ظفر العباسيون بهم وقتلوهم .

كان عبد الرحمن بن معاوية من القلة الذين استطاعوا أن يهربوا من بطش بني العباس فاستخفى عن عيونهم في قرية صغيرة على نهر الفرات ثم كلف شخصاً من معارفه أن يبتاع له دابة غير أن عيون العباسيين لحقته فطاردته خيولهم فلم يجد هو وأخوه ملجأ إلا النزول إلى الفرات والسباحة فيه وعبوره .

أما أخوه فلم يقو على العبور وعاد إلى الشاطئ فتلقفه جند العباسيين وضربوا عنقه على مشهد من عبد الرحمن ، الأمر الذي جعله يهيم على وجهه هارباً يروم المغرب حتى وصل إلى أفريقيا .

وقصة الهروب الطويلة التي قام بها عبد الرحمن الداخل من الشام إلى الأندلس قصة رائعة ذات شجون تستحق القراءة والتأمل إلا أنني سأذكرها مختصرة ؛ إذ ليس المجال هنا لذكرها كاملة ومفصلة .

في إفريقيا :

لم يجد الأمويون في أفريقيا ما كانوا يأملون فيه من أنها ستكون ملجأ يقيهم مطاردة بني العباس لأن ابن حبيب الفهري الوالي من قبل العباسيين ، كان مخلصاً لسادة العهد الجديد .

إلا أن ذلك لم يمنع عبد الرحمن من الإقامة بأفريقيا خمس سنوات ، كان عليه خلالها أن يستخفي عن عيون عبد الرحمن بن حبيب .

وبعد هذه السنين جاءه الفرج متمثلاً برسول أخته أم الإصبع وهو غلامه بدر يحمل نفقة وجواهر ، استعان بها عبد الرحمن في التمكين لنفسه بين البربر الذين تربطه بهم أواصر القرابة من جهة أمه فتقلب بين قبائلهم واستخف عند بني رستم ملوك تاهرت .

عين على الأندلس :

استغل عبد الرحمن سوء حال بلاد الأندلس التي مزقتها الانقسامات والقحط فأوقع بين القبائل المضرية واليمنية فيها .

فكاتب عبد الرحمن من في الأندلس من الأمويين وبعث إليهم مولاه بدراً وسيروا له مركباً فيه جماعة من كبرائهم فأبلغوه طاعتهم له وعادوا به إلى الأندلس سنة 138 هـ / 755 م ، فقاتلهم والي الأندلس يوسف بن عبد الرحمن الفهري فانتصروا عليه في موقعة المصارة بالقرب من قرطبة سنة 138 هـ / 755 م ، ودخل قرطبة الملك ابن الملوك عبد الرحمن الداخل معلناً قيام الدولة الأموية بالأندلس بعد عصر الولاة ، دخل ” الداخل ” وكأن المُلك يسري في عروقه عرق عزيز شريف حمل نور الإسلام من الصين إلى شمال الأندلس ولم توقفه حملات الأعداء ولا مصاعب الزمان من أن يثبت أن للحق رجاله وأن للمُلك أسوده وشجعانه .

ولم تنجح محاولات أبي جعفر المنصور العباسي والفهري وحليفه شارلمان الفرنسي وصاحبه الصميل في القضاء على هذه الدولة . فقد هُزم الفهري وقُتل سنة 142 هـ / 759 م . ومات الصميل في السجن .

محاولة أبي جعفر المنصور استعادة الأندلس :

لم يهدأ لأبي جعفر المنصور بالٌ من ناحية عبد الرحمن الداخل فعمل على القضاء عليه فأرسل له قائداً من أفريقيا إلى الأندلس لكن عبد الرحمن انتصر عليه وقتله . ولم يتمكن أبو جعفر المنصور من إعادة سلطان العباسيين إلى تلك البلاد فعمل على استمالة عبد الرحمن وأوفد إليه الرسل.

وكثيراً ما كان يظهر إعجابه به وبمقدرته وبعزيمته التي جعلته وهو شريد طريد يستطيع أن يؤسس هذا الملك الواسع في تلك البلاد البعيدة .

صقر قريش :

يذكر المؤرخون أن أبا جعفر المنصور قال لأصحابه : أخبروني عن صقر قريش من هو ؟

قالوا : أمير المؤمنين الذي راض الملك وسكن الزلازل وحسم الأدواء وأباد الأعداء .

قال : ما صنعتم شيئاً .

قالوا : فمعاوية .

قال : ولا هذا .

قالوا : فعبد الملك بن مروان .

قال : ولا هذا .

قالوا : فمن يا أمير المؤمنين ؟

قال : عبد الرحمن بن معاوية الذي عبر البحر وقطع القفر ودخل بلداً أعجمياً مفرداً ، فمصر الأمصار وجند الأجناد ودون الدواوين وأقام ملكاً بعد انقطاعه بحسن تدبيره وشدة شكيمته .

صفاته :

كان عبد الرحمن حازماً سريع النهضة في طلب الخارجين عليه كثير المشورة شجاعاً شديد الحذر سخياً لسناً شاعراً عالماً وكان ينظر في المظالم بنفسه وينصف الضعيف من القوي . بنى الرصافة بقرطبة تشبهاً بجده هشام باني رصافة الشام . زين قرطبة بالمباني الفخمة والحدائق الغناء .

وبدأ بإنشاء جامع قرطبة الكبير الذي أكمله من بعده ابنه وفاخرت به قرطبة عواصم العالم وقبره به حتى الآن .

وفاته :

وفي سنة 172 هـ توفي عبد الرحمن الداخل في قرطبة وذلك بعد حكم دام ثلاثاً وثلاثين سنة وأربعة أشهر لبلاد الأندلس التي – رغم صغرها النسبي – ضاهت دولة بني العباس في التقدم والازدهار وأصبحت سراجاً ينير ظلام أوروبا الدامس التي ما فتئ أبناؤها أن يقصدون الأندلس بحثاً عن العلوم والمعرفة التي ساهمت بشكل كبير في ازدهار الحضارة الأوروبية فيما بعد .

رحم الله عبد الرحمن الداخل وصدق أبو جعفر المنصور حين قال فيه : ” إن ذلك الفتى لهو الفتى كل الفتى لا يكذب مادحه ” .

المرجع :

أيتام غيروا مجرى التاريخ  ، عبد الله صالح الجمعة حفظه الله ، ط / العبيكان ” 125 – 131 ” ، فصل : عبد الرحمن الداخل رحمه الله ، بتصرف.

 

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *