عن رامي الدعيس

قاريء للقرآن الكريم من مكة المكرمة

سر نجاحك أو فشلك في أسلوبك

بسم الله الرحمن الرحيم
 
سر نجاحك أو فشلك في أسلوبك
 
قد يكون الحق معك.. لكنك لا تحسن الوصول به .. ولا تجيد الدوران معه حول منعطفات الطريق لتتفادى المآزق وتتخطى العقبات وتبلغ به ما تريد وقد يكون الباطل مع غيرك ولكنه يلبسه ثوب الحق ثم يجيد الانطلاق معه حتى يصل به إلى حيث ينبغي أن يصل الحق
وترى أنت ذلك فتتألم له تألماً قد يكون ساكنا فيعزلك عن المجتمع وقد يكون صاخبا فتتضاعف معه أخطاؤك فيتنكر لك الناس كل ذلك والحق معك والباطل مع غيرك .
وقد يسوءك تنكر الناس لك فتتبرم بالحياة والناس وتصير إنسانا ساخطا متشائما ناقما على الجميع ثم على نفسك وعملك ويخسرك المجتمع .
ولا أطلب منك أن تجيد الالتواء والانثناء حتى تصل بحقك إلى مبتغاك ولكن أطلب منك أن تصبر وتثابر وتتشبت بالحق وتناضل في سبيلك وتؤمن أن العاقبة حتما لهذا الحق …
 
فضلا وليس أمرا قل ( اللهم أنر على أهل القبور قبورهم )
 
 
المرجع : من كتاب كيف نفهم الإسلام
                                                                      لمحمد الغزالي رحمه الله تعالى

 

ما ورد في فضل شهر رجب

بسم الله الرحمن الرحيم

ما ورد في فضل شهر رجب

خرجا في الصحيحين من حديث أبي بكرة أن النبي صلى الله عليه وسلم خطب في  حجة الوداع فقال في خطبته ( إن الزمان قد استدار كهيئته يوم خلق الله السموات والأرض ، السنة اثنا عشر شهراً منها أربعة حرم ثلاثة متواليات ذو القعدة وذو الحجة والمحرم ، ورجب مضر الذي بين جمادي وشعبان ) وذكر الحديث ، قال الله عز وجل ( إن عدة الشهور عند الله اثنا عشر شهرا في كتاب الله يوم خلق السموات والأرض منها أربعة حرم ذلك الدين القيم فلا تظلموا فيهن أنفسكم ) .

وقوله صلى الله عليه وسلم ( إن الزمان قد استدار كهيئته يوم خلق الله السموات والأرض ، السنة اثنا عشر شهراً ) مراده بذلك إبطال ما كانت الجاهلية تفعله من النسيء كما قال تعالى ( إنما النسيء زيادة في الكفر يضل به الذين كفروا يحلونه عاماً ويحمونه عاماً ليواطئوا عدة ما حرم الله فيحلوا ما حرم الله ) . .

سبب تسمية هذه الأشهر بالحرم :

واختلفوا لم سميت هذه الأشهر الربعة حرماً فقيل لعظم حرمتها وحرمة الذنب فيها ، قال غلب بن أبي طلحة عن ابن عباس : اختص الله أربعة أشهر عليهن حرماً وعظم حرماتهن وجعل الذنب فيهن أعظم وجعل العمل الصالح والأجر أعظم ،  قال كعب ( اختار الله الزمان فأحبه إلى الله الأشهر الحرم ) وقد روى مرفوعاً ولا يصح رفعه.

عجائب الأشهر الحرم :

ومن عجائب الأشهر الحرم ما روى عن عبدالله بن عمرو بن العاص أنه ذكر عجائب الدنيا فعد منها بأرض عاد عمود نحاس عليه شجرة من نحاس ، فإذا كان في الأشهر الحرم قطر منها الماء فملئوا منه حياضهم وسقوا مواشيهم وزرعهم ، فإذا ذهب الأشهر الحرم انقطع الماء .

أسماء شهر رجب :

وذكر بعضهم إن لشهر رجب أربعة عشر اسماً : شهر الله ، ورجب ، ورجب مضر ، ومنصل الأسنة ، والأصم ، والأصب ، ومنفس ، ومطهر ، ومعلى ، ومقيم ، وهرم ، ومقشقش ، ومبرئ ، وفرد ، وذكر غيره أن له سبعة عشر اسماً فزاد : رجم بالميم ومنصل الآلة وهي الحربة ، ومنزع الأسنة .

حكم الصوم في رجب  :

وأما الصيام فلم يصح في فضل صوم رجب بخصوصه شيء عن النبي صلى الله عليه وسلم ولاعن أصحابه ، ولكن روى عن أبي قلابة قال : في الجنة قصر لصوام رجب .

قال البيهقي : أبو قلابة من كبار التابعين لا يقول مثله إلا عن بلاغ ، إنما ورد في صيام الأشهر الحرم كلها حديث مجيبة الباهلية عن أبيها أو عمها أن النبي صلى الله عليه وسلم قال له : ( صم من الحرم واترك ) .

حكم الزكاة في رجب  :

وأما الزكاة فقد اعتاد أهل هذه البلاد ( كما في المرجع ) إخراج الزكاة في شهر رجب ، ولا أصل لذلك في السنة ، ولا عرف عن أحد من السلف ، ولكن رُوى عن عثمان أنه خطب الناس على المنبر فقال : إن هذا شهر زكاتكم فمن كان عليه دين فليؤد دينه وليزك ما بقى ، خرجه مالك في الموطأ .

الاعتمار في رجب :

وأما الاعتمار في رجب فقد روى ابن عمر رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم اعتمر في رجب فأنكرت ذلك عائشة عليه … فسكت . ( المؤلف لم يذكر المرجع )

واستحب الاعتمار في رجب عمر بن الخطاب وغيره ، وكانت عائشة تفعله وابن عمر أيضا ، ونقل ابن سيرين عن السلف أنهم كانوا يفعلونه فإن أفضل الأنساك أن يؤتى بالحج في سفرة والعمرة في سفرة أخرى في غير أشهر الحج ، وذلك من جملة إتمام الحج والعمرة المأمور به ، كذلك قاله جمهور الصحابة كعمر وعثمان وعلي وغيرهم .

حوادث عظيمة حدثت في رجب :

وقد روى أنه كان في شهر رجب حوادث عظيمة ، ولم يصح شيء من ذلك ، فروى أن النبي صلى الله عليه وسلم ولد في أول ليلة منه ، وأنه بعث في السابع والعشرين منه وقيل : في الخامس والعشرين ، ولا يصح شيء من ذلك .

وروى بإسناد لا يصح عن القاسم بن محمد أن الإسراء بالنبي صلى الله عليه وسلم كان في سابع وعشرين من رجب ، وأنكر ذلك ابراهيم الحربي وغيره .

وروى عن قيس بن عباد قال : في اليوم العاشر من رجب ( يمحو الله ما يشاء ويثبت )

وكان أهل الجاهلية يتحرون الدعاء فيه على الظالم وكان يستجاب لهم ، ولهم في ذلك أخبار مشهورة قد ذكرها ابن أبي الدنيا في كتاب ( مجاب الدعوة ) وغيره .

وقد ذكر ذلك لعمر بن الخطاب فقال عمر : إن الله كان يصنع بهم ذلك ليحجز بعضهم عن بعض ، وان الله جعل الساعة موعدهم ، والساعة أدهى وأمر .

وري زائدة بن أبي الرقاد عن زياد التميمي عن أنس قال : كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا دخل رجب قال ( اللهم بارك لنا في رجب وشعبان وبلغنا رمضان ) إسناده ضعيف أخرجه احمد ( 2346) لضعف زائدة بن أبي الرقاد الباهلي هو منكر الحديث ، وعزاء الهيثمي في مجمع الزوائد (2/165) للبزار ، وقال : فيه زائدة بن أبي الرقاد ، قال البخاري : منكر الحديث ، ونسبه في موضع آخر للطبراني معه والحديث من زيادات عبدالله بن أحمد .

رجب مفتاح أشهر الخير :

شهر رجب مفتاح أشهر الخير والبركة ، قال أبو بكر الوراق البلخي : شهر رجب شهر الزرع وشعبان شهر السقي للزرع ، وشهر رمضان شهر حصاد الزرع .

وعنه قال مثل شهر رجب مثل الريح ، ومثل شعبان مثل الغيم ، ومثل رمضان مثل القطر وقال بعضهم : السنة مثل شجرة ، وشهر رجب أيام توريقها ، وشعبان أيام تفريعها ورمضان أيام قطفها ، والمؤمنون قطافها جدير بمن سود صحيفته بالذنوب أن يبيضها بالتوبة في هذا الشهر وبمن ضيع عمره في البطالة أن يغتنم فيه ما بقي من العمر .

شـــــعر

بيض صحيفتك السوداء في رجب      بصالح العمل المنجي من الـلهب

شهر حرام أتى من أشهر حـرم         إذا دعا اللــه داع فيه لم بخب

طوبى لعبد زكــا فيه له عمـلُ         فكف فيه عن الفحشاء والريب

 

فضل وليس أمرا قل ( اللهم احقن دماء المسلمين في كل مكان )


المرجع :

لطائف المعارف ، الإمام ابن رجب الحنبلي رحمه الله ، ط / دار الحديث ” ص 157 – 170 ” ، فصل : شهر رجب ، بتصرف.

 


فصل من أخبار مدعي النبوة

 

الحق لا يشتبه بباطل إنما يموه الباطل عند من لا يفهم له ، وهذا في حق من يدعي النبوات وفي حق من يدعي الكرامات أما النبوات فإنه قد ادعاها خلق كثير ظهرت قبائحهم وبانت فضائحهم ومنها ما يوجبه خسة الهمة والتهتك في الشهوات والتهافت في الأقوال والأفعال حتى افتضحوا . ومنهم

1) الأسود العنسي :

الأسود العنسي ادعى النبوة ولقب نفسه ذا الخمار لأنه كان يقول يأتيني ذو الخمار ، وكان أمر أمره كاهناً يشعوذ فيظهر الأعاجيب فخرج في أواخر حياة النبي صلى الله عليه وسلم فكاتبته مذحج وواعد نجران وأخرجوا عمرو بن حزم وخالد بن سعيد صاحبي رسول الله صلى الله عليه وسلم وصفا له اليمن وقاتل شهر بن باذام فقتله وتزوج بنته فأعانت على قتله فهلك في حياة رسول الله صلى الله عليه وسلم وبان للعقلاء أنه كان يشعبذ .

2) مسيلمة الكذاب :

مسيلمة الكذاب ادعى النبوة وتسمى رحمان اليمامة ، لأنه كان يقول : الذي يأتيني رحمان فآمن برسول الله صلى الله عليه وسلم وادعى أنه قد أشرك معه فالعجب أنه يؤمن برسول الله ويقول أنه كذاب ثم جاء بقرآن يضحك الناس مثل قوله : يا ضفدع بنت ضفدعين نقي ما تنقين أعلاك في الماء وأٍسفلك في الطين . ومن العجائب شاة سوداء تحلب لبناً أبيض ، فانتهك ستره في هذه الفصاحة ثم مسح بيده على رأس صبي فذهب شعره وبصق في بيئر وتزوج سجاح التي ادعت النبوة . فقالوا لابد لها من مهر فقال: مهرها أني قد أسقطت عنكم صلاة الفجر والعتمة .

3) سجاح بنت الحارث التميمية :

وكانت سجاح هذه قد ادعت النبوة بعد موت النبي صلى الله عليه وسلم فاستجاب لها جماعة ، فقال أعدوا الركاب واستعدوا للنهاب ثم اعبروا على الرباب فليس دونهم حجاب فقاتلوهم ثم قصد اليمامة فهابها مسيلمة فراسلها وأهدى لها فحضرت عنده فقالت : اقرأ عليّ ما يأتيك به جبريل فقال إنكن معشر النساء خلقتن أفواجاً وجعلتن لنا أزواجاً نولجه فيكن إيلاجاً : فقالت صدقت أنت نبي . فقال لها قومي إلى المخدع فقد هيئ لك المضجع فإن شئت ملقاة وإن شئت على أربع وإن شئت بثلثيه وإن شئت به أجمع فقالت : بل به أجمع فهو للشمل أجمع فافتضحت عند العقلاء من أصحابها فقال منهم عطارد بن حاجب :

أضحت نبيتنا أنثى يطاف بها وأصبحت أنبياء الناس ذكراناج
فلعنة الله رب الناس كلهم على سجاح ومن بالإفك أغواناج
أعني مسيلمة الكذاب لا سقيتج أصداؤه من رعيث حيثما كاناجج

ثم إنها رجعت عن غيّها وأسلمت وما زالت تبين فضائع مسيلمة حتى قتل .

4) طلحة بن خويلد :

ومنهم طلحة بن خويلد خرج بعد دعوى مسيلمة النبوة وتبعه أقوام ونزل سميرا فتسمى بذي النون ويقول إن الذي يأتيه يقال له : ذو النون وكان من كلامه : إن الله لا يصنع بتعفير وجوهكم ولا قبح أدباركم شيئاً فاذكروا الله أعفة قياماً ، ومن قرآنه والحمام اليمام والصرد الصوام ليبلغن ملكنا العراق والشام وتبعه عيينة بن حصن فقاتله خالد بن عيينة فجاء عيينة إلى طليحة فقال : ويحك أجاءك الملك ؟ قال : لا فارجع فقاتل فقاتل ثم عاد فقال أجاءك ؟ فقال : لا فعاد فقاتل فقال : أجاءك ؟ قال : نعم . قال : ما قال لك ؟ إن لك جيشاً لا تنساه فصاح عيينة بالرجل : والله كذاب فانصرف الناس منهزمين وهرب طليحة إلى الشام ثم أسلم وصح إسلامه وقتل بنهاوند

5) جندب بن كلثوم :

وذكر الواقدي : أن رجلاً من بني يربوع يقال له : جندب بن كلثوم كان يلقب : كردانا ادعى النبوة على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم وكان يزعم أن دليله على نبوته أن يسرج مسامير الحديد والطين وهذا لأنه كان يطلي ذلك بدهن البيلسان فتعمل به النار .

6) كهمش الكلابي :

وقد تنبأ رجل يقال له كهمش الكلابي وكان يزعم أن الله تعالى أوحى إليه : يا أيها الجائع اشرب لبناً تشبع ، ولا تضرب الذي لا ينفع ، فإنه ليس بمقنع ، وزعم أن دليله على نبوته : أنه يطرح بين السباع الضارية فلا تأكله . وحيلته في ذلك أنه يأخذ دهن الغار وحجر البرسان وقنفدا محرقا وزبد البحر وصدفا محرقا مسحوقا وشيئا من الصبر والحبط فيطلي به جسمه فإذا قربت منه السباع ، فشمت تلك الأرياح زفورتها نفرت .

7) أبو جعوانة العامري :

وقد تنبأ بالطائف رجل يقال له أبو جعوانة العامري وزعم أن دليله أنه يطرح في النار القطن فلا يحترق وهذا لأنه يدهنه بدهن معروف .

8) هذيل بن يعفور من بني سعد بن زهير :

ومنهم هذيل بن بعفور من بني سعد بن زهير حكى عنه الأصمعي : أنه عارض سورة الإخلاص فقال ( قل هو الله أحد ، إله كالأسد ، جالس على الرصد ، لا يفوته أحد )

9) هذيل بن واسع :

ومنهم هذيل بن واسع كان يزعم أنه ولد النابغة الذبياني وعارض سورة الكوثر فقال له رجل : ما قلت ؟ فقال : ( إنا أعطيناك الجواهر فصل لربك وجاهر فما يردنك إلا كل فاجر ) . فظهر عليه السنوي فقتله وصلبه على العمود فعبر عليه الرجل فقال : ( إنا أعطيناك العمود فصل لربك من قعود بلا ركوع ولا سجود فما أراك تعود ) .

10) المختار بن أبي عبيد الثقفي :

وممن ظهر فادعى أنه يوحى إليه المختار بن أبي عبيد الثقفي وكان متخبطاً في دعواه وقتل خلقاً كثيراً وكان يزعم أنه ينصر الحسين – رضوان الله عليه – ثم قتل .

11) حنظلة بن يزيد الكوفي :

ومنهم حنظلة بن يزيد الكوفي كان يزعم أن دليله : أنه يدخل البيضة في القنينة ويخرجها منها صحيحة وذاك أنه كان ينقع البيضة في الخل الحامض فيلين قشرها ثم يصب ماءً في قنينة ثم يدس البيضة فيها فإذا لقيت الماء صلبت

وقد تنبأ أقوام قد نبينا محمد صلى الله عليه وسلم كزرداشت وماني وافتضحوا وما من المدعين إلا من خذل .

وقد جاءت القرامطة بحيل عجيبة وقد ذكرت جمهور هؤلاء وحيلهم في كتابي التاريخ المسمى ( المنتظم ) وما فيهم من يتم له أمر إلا ويفتضح .

ودليل صحة نبوة نبينا محمد صلى الله عليه وسلم أجلى من الشمس فإنه ظهر فقيراً والخلق أعداؤه فوعد بالملك فملك وأخبر بما سيكون فكان وصين في زمن النبوة عن الشره وخساسة الهمة والكذب والكبر وأيد بالثقة والأمانة والنزاهة والعفة وظهرت معجزاته للبعيد والقريب وأنزل عليه الكتاب العزيز الذي حارت فيه عقول الفصحاء ولم يقدروا على الإتيان بآية تشبهه فضلاً عن سورة وقد قال قائلهم وافتضح ثم أخبر أنه لا يعارض فيه فكان كما قال وذلك قوله تعالى : ( فأتوا بسورة ) ” يونس : 38 ” ثم قال ( فإن لم تفعلوا ولن تفعلوا ” البقرة : 24 ” وكذلك قوله : ( فتمنوا الموت إن كنتم صادقين – ولن يتمنوه ) ” البقرة : 94- 95 ” فمنا تمناه أحد إذ لو قال قائل : قد تمنيته لبطلت دعواه ، وكان يقول ليلة غزاة بدر : ( غداً مصرع فلان هاهنا ) فلا يتعداه وقال : ( إذا هلك كسرى فلا كسرى بعده ، وإذا هلك قيصر فلا قيصر بعده ) فما ملك بعدهما من له كبير قدر ولا من استتب له حال …. ونكتفي بهذا القدر بالرغم من أن كلام المؤلف لم ينتهي .

المرجع :

صيد الخاطر ، الإمام ابن الجوزي رحمه الله ، ط / اليمامة ” 432 – 438 ” ، فصل : في أخبار مدعي النبوة ، بتصرف.

ما ورد في فضل شهر صفر

بسم الله الرحمن الرحيم

ما ورد في فضل شهر صفر

في الصحيحين عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : (( لا عدوى ولا هامة ولا صفر ، فقال أعرابي : يا رسول الله ، فما بال الإبل تكون في الرمل كأنها الظباء فيخالطها البعير الأجْرَبُ فَيُجربها ؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : فمن أعدى الأول )) (1) أما العدوى فمعناها أن المرض يتعدى من صاحبه إلى من يقارنه من الأصحاء فيمرض بذلك ، وكانت العرب تعتقد ذلك في أمراض كثيرة منها الجرب ، ولذلك سأل الأعرابي عن الإبل الصحيحة يخالطها البعير الأجرب فتجرب ، فقال النبي صلى الله عليه وسلم : (( فمن أعدى الأول ؟ )) ومراده أن الأول لم يجرب بالعدوى بل بقضاء الله وقدره فكذلك الثاني وما بعده .

(1)   أخرجه البخارى في صحيحه ( 5757 ، 5770 ) ومسلم أيضاً ( 2220 ) من حديث أبي هريرة .

(2)   النقبة : أول ما يظهر من الجرب .

(4) هو مرسل أصح منه متصلاً والمرسل من أنواع الضعيف انظر المسند ( ح2ص356 ) .

(5) موت الفوات : المراد به موت الفجأة

من كرامات الأولياء :

ونظير ذلك ما روى عن خالد بن الوليد رضي الله عنه من أكل السم ومنه مشى سعد بن أبي وقاص ، وأبي مسلم الخولاني بالجيوش على متن البحر (2) .

ومنه أمر عمر رضي الله عنه لتميم حيث خرجت النار من الحرة أن بردها فدخل إليها في النار التي خرجت منه .

فهذا كله لا يصلح إلا لخواص من الناس قوى إيمانهم بالله وقضائه وقدره وتوكلهم عليه وثقتهم به ونظير ذلك دخول المفاوز بغير زاد لمن قوى يقينه وتوكله خاصة ، وقد نص عليه أحمد وإسحاق وغيرهما من الأئمة وكذلك ترك التكسب والتطيب ، كل ذلك يجوز عند أحمد لمن قوى توكله فإن التوكل أعظم الأسباب التي تستجلب بها المنافع وتدفع بها المضار كما قال الفضيل : لو علم الله إخراج المخلوقين من قلبك لأعطاك كل ما تريد .

وبذلك فسر الإمام أحمد التوكل ، فقال : هو قطع الاستشراف باليأس من المخلوقين : قيل له : فما الحجة فيه ؟ قال : قول إبراهيم عليه الصلاة والسلام لما ألقى في النار ، فعرض له جبريل عليه السلام فقال : ألك حاجة ؟ قال : أما إليك فلا ، فلا يُشْرع ترك الأسباب الظاهرة إلا لمن تعوض عنها بالسبب الباطن ، وهو تحقيق التوكل عليه فإنه أقوى من الأسباب الظاهرة لأهله وأنفع منها ، فالتوكل علم وعمل والعلم معرفة القلب بتوحيد الله بالنفع والضر وعامة المؤمنين تعلم ذلك والعمل هو ثقة القلب بالله وفراغه من كل ما سواه وهذا عزيز ويختص به خواص المؤمنين .

(2) هذا مروى في كتب التواريخ لكن الله تعالى أعلم بصحة وقوعه كما روى ، ولا حرج على فضل الله تعالى ، ولكن العمل بالأسباب الصحيحة هو الحق فإن اضطر الإنسان إلى خلافه توكل على الله واستيقن .

والأسباب نوعان :

أحدهما : أسباب الخير ، فالمشروع أنه يفرح بها ويستبشر ولا يسكن إليها بل إلى خالقها ومسببها وذلك هو تحقيق التوكل على الله والإيمان به ، كما قال تعالى في الإمداد بالملائكة (( وَمَا جَعَلَهُ اللهُ إِلاَّ بُشْرَى وَلِتَطْمَئِنَّ بِهِ قُلُوبُكُمْ وَمَا النَّصْرُ إِلاَّ مِنْ عِندِ اللهِ )) ومن هذا الباب الاستبشار بالفأل وهو الكلمة والصالحة يسمعها طالب الحاجة وأكثر الناس يركن بقلبه إلى الأسباب وينسى المسبب لها وقلَّ من فعل ذلك إلا وكل إليها وخُذِل فإن جميع النعم من الله وفضله كما قال تعالى : (( مَا أَصَابَكَ مِنْ حَسَنَةٍ فَمِنَ اللهِ )) (( وَمَا بِكُم مِّن نِّعْمَةٍ فَمِنَ اللهِ )) .

  (4) إثر سماء : أي عقب نزول مطر .

والنوع الثاني : أسباب الشر ، فلا تضاف إلا الذنوب لأن جميع المصائب إنما هي بسبب الذنوب كما قال تعالى :  (( وَمَا أَصَابَكَ مِن سَيِّئَةٍ فَمِن نَّفْسِكَ )) وقال تعالى : (( وَمَا أَصَابَكُم مِّن مُّصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ )) فلا تضاف إلى شئ من الأسباب سوى الذنوب كالعدوى أو غيرها .

والمشروع اجتناب ما ظهر منها واتقاؤه بقدر ما وردت به الشريعة مثل اتقاء المجذوم والمريض والقدوم على مكان الطاعون وأما ما خفى منها فلا يشرع اتقاؤه واجتنابه فإن ذلك من الطِّيرة المنهى عنها .

لم نهى عن الطيرة ؟ :

والطيرة من أعمال أهل الشرك والكفر وقد حكاها الله في كتابه عن قوم فرعون وقوم صالح وأصحاب القرية التي جاءها المرسلون وقد ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : (( لا طيرة )) وفي حديث (( من ردته الطيرة فقد قارف الشرك )) (3) .

وفي حديث ابن مسعود المرفوع : (( الطيرة من الشرك وما منا إلا ولكن الله يذهبه بالتوكل )) .

(3) حديث في إسناده ضعف أخرجه أحمد في مسنده ( ح2ص . 22 ) فيه ابن لهيعة اختلط بعد احتراق كتبه ولكن للحديث شواهد .

وخرج الإمام أحمد وأبو داود من حديث عروة بن عامر القرشي قال ذكرت الطيرة عند النبي صلى الله عليه وسلم فقال : (( أحسنها الفأل ولا ترد مسلما فإذا رأى أحدكم ما يكره فليقل : اللهم لا يأتي بالحسنات إلا أنت أنت ولا يدفع السيئات إلا أنت ولا حول ولا قوة إلا بك )) .

(3) المنعة : القوة ، والمطار : حديد الفؤاد القوي .

وأما قوله صلى الله عليه وسلم (( ولا صفر )) فاختلف في تفسيره فقال كثير من المتقدمين : الصفر داء في البطن : يقال : إنه دود فيه كبار كالحيات وكانوا يعتقدون أنه يعدي فنفى ذلك النبي صلى الله عليه وسلم ، وممن قال هذا من العلماء ابن عيينة والإمام أحمد وغيرهما ولكن لو كان كذلك لكان هذا داخلا في قوله لا عدوى وقد يقال : هو من باب عطف الخاص على العام وخصه بالذكر لاشتهاره عندهم بالعدوى .

وقالت طائفة : بل المراد صفر شهر ثم اختلفوا في تفسيره على قولين :

أحدهما : أن المراد نفي ما كان أهل الجاهلية يفعلونه في النسئ فكانوا يحلون المحرم ويحرمون صفر مكانه وهذا قول مالك .

والثاني : أن المراد أن أهل الجاهلية كانوا يستشئون بصفر ويقولون : إنه شهر مشئوم فأبطل النبي صلى الله عليه وسلم ذلك وهذا حكاه أبو داود ، عن محمد بن راشد المكحولي عمن سمعه يقول ذلك ولعل هذا القول أشبه الأقوال .

وكثير من الجهال يتشاءم بصفر وربما ينهى عن السفر فيه ، والتشاؤم بصفر هو من جنس الطيرة المنهى عنها وكذلك التشاؤم بالأيام كيوم الأربعاء وقد روى أنه يوم نحس مستمر في حديث لا يصح بل في المسند عن جابر رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم دعا على الأحزاب يوم الاثنين والثلاثاء والأربعاء فاستجيب له يوم الأربعاء بين الظهر والعصر ، قال جابر : فما نزل بي أمر مهم غائظ إلا توخّيتُ ذلك الوقت فدعوت الله فيه فرأيت الإجابة ، أو كما قال : وكذلك تشاؤم أهل الجاهلية بشوال في النكاح فيه خاصة وقد قيل : إن أصله أن طاعونا وقع في شوال في سنة من السنين فمات فيه كثير من العرائس فتشاءم بذلك أهل الجاهلية .

وقد ورد الشرع بإبطاله قالت عائشة رضي الله عنها : تزوجني رسول الله صلى الله عليه وسلم في شوال فأي نسائه كان أحظى عنده مني ؟ وكانت عائشة تستحب أن تدخل نساءها في شوال وتزوج النبي صلى الله عليه وسلم أم سلمة في شوال أيضا .

هجران أماكن المعاصي :

هجران أماكن المعاصي وأخواتها من جملة الهجرة المأمور بها فإن المهاجر من هجر ما نهى الله عنه ، قال إبراهيم بن أدهم : من أراد التوبة فليخرج من المظالم وليدع مخالطة من كان يخالطه وإلا لم ينل ما يريد .

فائدة مجالس الذكر :

يا من ضاع قلبه انشده في مجالس الذكر عسى أن تجده ، يا من مرض قلبه احمله إلى مجلس الذكر لعله أن يعافى مجلس الذكر مارستان الذنوب ، تداوى فيها أمراض القلوب كما تداوى أمراض الأبدان .

وغير تقى يأمر الناس بالتقى      طبيب يداوي الناس وهو سقيم

يا أيها الرجل المقوم غيره        هلا لنفسك كان ذا التقويـــــــــمُ

ابدأ بنفسك فانهها عن غيها       فإذا انتهت عنه فأنت حكيــــــــم

فهناك يقبلُ ما تقول ويَقتدى       بالقول منك وينفع التعليــــــــــمـ

لا تنه عن خلق وتأتيَ مثله        عار عليك إذا فعلت عظيــــــــمـ

 

لطفاً قل ( اللهم صلي وسلم على نبينا محمد – صلى الله عليه وسلم )

 

المرجع :

لطائف المعارف ، الإمام ابن رجب الحنبلي رحمه الله ، ط / دار الحديث ” 97 – 111 ” ، فصل : وظيفة شهر صفر ، بتصرف.

 

قطوف من سيرة الحسن بن علي رضى الله عنه

بسم الله الرحمن الرحيم
 
قطوف من سيرة  
الحسن بن علي رضي الله عنه وعن أبيه
سنة 3هـ ( 625م ) – 49هـ ( 669م )
 
الحسن بن علي بن أبي طالب بن عبد المطلب بن هاشم بن عبد مناف القرشي الهاشمي ، سبط النبي صلى الله عليه وسلم ، وهو أول أولاد فاطمة بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم ، سيدة نساء العالمين ، وهو سيد شباب أهل الجنة وريحانة النبي صلى الله عليه وسلم وشبيهه ، سمَّاه رسول الله الحسن وعقّ عنه يوم سابعه ( ذبح شاة ) وحلق شعره وأمر أن يتصدق بزنة شعره فضة ، وهو خامس أهل الكساء ( المجد والشرف ) .
ولد الحسن في النصف من شهر رمضان بالمدينة المنورة سنة ثلاث من الهجرة . قالت أم الفضل : يا رسول الله رأيت كأن عضواً من أعضائك في بيتي ، قال : (( رأيت خيراً ، تلد فاطمة غلاماً فترضعيه بلبن قثم )) ، فولدت الحسن فأرضعته بلبن قثم ( ابنها )
تسميته بالحسن :
قال علي بن أبي طالب رضي الله عنه : لما ولد الحسن جاء رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال : (( أروني ابني ما سميتموه ؟ )) قلت : سميته حرباً . قال : (( بل هو حسن )) فلما ولد الحسين سميناه حرباً قال : (( بل هو الحسين )) فلما ولد الثالث ، جاء النبي صلى الله عليه وسلم فقال : (( أروني ابني ما سميتموه )) ؟ قلت : سميته حرباً ، قال : (( هو مُحسن )) ثم قال : (( سميتهم بأسماء ولد هارون شبر وشبير ومشبر )) . وتوفي محسن صغيراً .
قال أبو أحمد العسكري : سمَّاه النبي صلى الله عليه وسلم الحسن وكنَّاه أبا محمد ولم يكن يعرف هذا الاسم في الجاهلية .
صفته رضي الله عنه :
كان الحسن أبيض ، مشرباً بحمرة ، أدعج العينين ، سهل الخدين ، كثّ اللحية وكان يخضب بالوسمة .
 أخلاقه وفضائله رضي الله عنه :
كان الحسن حليماً كريماً ورعاً ذا سكينة ووقار وحشمة ، جواداً ممدوحاً ميالاً للسلم يكره الفتن وإراقة الدماء ، ما سمعت منه كلمة فحش قط إلا أنه كان كثير الزواج مطلاقاً  للنساء ولا يفارق امرأة إلا وهي تحبه وكان أبوه رضي الله عنه يأخذ عليه كثرة الطلاق ويخشى عواقبها حتى قال : يا أهل الكوفة لا تزوّجوا الحسن فإنه رجل مطلاق . فقال رجل من همدان : والله لنزوّجنه فمن رضي أمسك ومن كره طلّق .
تربيته ومحبة رسول الله صلى الله عليه وسلم له :
لما كان الحسن والحسين رضي الله عنهما ابني بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبوهما علي بن أبي طالب ابن عم الرسول وربيبه فقد تربيا تربية عالية ونشآ على الفضائل في بيئة من أرقى البيئات وأشرفها وقد سمعا الحديث وكان عليه الصلاة والسلام يحبهما ويرعاهما ويعلمهما .
وفي الحديث : (( هذان ابناي وابنا ابنتي ، اللهم إني أحبهما فأحبهما وأحب من يحبهما )) .
وكان رسول الله يصلي فإذا سجد وثب الحسن والحسين على ظهره فإذا أرادوا أن يمنعوهما أشار إليهم أن دعوهما فإذا قضى الصلاة وضعهما في حجره فقال : (( من أحبني فليحبّ هذين )) .
وفي البخاري عن أبي بكرة : رأيت النبي صلى الله عليه وسلم على المنبر والحسن بن علي معه وهو يقبل على الناس مرة وعليه مرة ويقول : (( إن ابني هذا سيد ولعل الله أن يصلح به بين فئتين من المسلمين )) . قال : فلما ولي لم يهرق في خلافته محجمة من دم
ولا شك أن الحسن والحسين ورثا عن جدهما وأبيهما فصاحة اللسان وقوة الجنان وحضور البديهة والكرم والحلم وقد تعلما القرآن والتفسير من عليّ رضي الله عنه وأهل بيته وكبار الصحابة وتلقيا الحديث عنهم وكان عليّ يقول الشعر وينطق بالحكمة وكذلك نشأ ولداه رضي الله عنهما .
 أولاد الحسن رضي الله عنه
أولاد الحسن رضي الله عنه أحد عشر وهم :
1-             زيد .
2-             والحسن وأمه خولة بنت منصور الفزارية .
3-             والقاسم .
4-             وأبو بكر .
5-             وعبد الله – وهؤلاء الخمسة قتلوا مع عمهم الحسين بن علي بالطّفّ ، وهي أرض من ضاحية الكوفة في طريق البرية فيها كان مقتل الحسين بن علي رضي الله عنهما .
6-             وعمرو بن الحسن .
7-             وعبد الرحمن .
8-             والحسين الملقب بالأشرم .
9-             ومحمد .
10-        ويعقوب .
11-        وإسماعيل .
بيعة الحسن رضي الله عنه سنة 40هـ ( 661م )
بعد أن ضرب ابن ملجم علياً رضي الله عنه ، دخل عليه جندب بن عبد الله فسأله فقال : يا أمير المؤمنين إن فقدناك ولا نفقدك فنبايع الحسن ، فقال : ما آمركم ولا أنهاكم أنتم أبصر فدعا حسناً وحسيناً فقال :
أوصيكما بتقوى الله وألا تبغيا الدنيا وإن بغتكما ولا تبكيا على شئ زوى عنكما وقولا الحق وارحما اليتيم وأغيثا الملهوف واصنعا للآخرة وكونا للظالم خصماً وللمظلوم ناصراً واعملا بما في كتاب الله ولا تأخذكم في الله لومة لائم .
بويع للحسن بالكوفة في شهر رمضان من سنة 40هـ بعد وفاة أبيه بيومين وقيل إن أول من بايعه قيس بن سعد الأنصاري ، قال له : ابسط يدك أبايعك على كتاب الله عزّ وجلّ وسنة نبيه وقتال المُحِلين .
فقال له الحسن رضي الله عنه : على كتاب الله وسنة نبيه فإن ذلك يأتي على كل شرط . فبايعه وبايعه الناس وكان الذين بايعوه 40.000 .
لما بايع أهل العراق الحسن بلغه مسير معاوية في أهل الشام إليه في جيش قدره 60.000 فتجهز هو والجيش الذين بايعوا علياً وعدته 40.000 مقاتل وسار عن الكوفة إلى لقاء معاوية وكان قد نزل ( مَسْكِن ) فوصل الحسن إلى المدائن وجعل قيس بن سعد الأنصاري على مقدمته في اثني عشر ألفاً . وقيل : بل كان الحسن قد جعل على مقدمته عبد الله بن عباس فجعل عبد الله على مقدمته في الطلائع قيس بن سعد فلما نزل الحسن المدائن نادى مناد في العسكر : ألا إن قيس بن سعد قتل فانفروا ، فنفروا بسرداق الحسن فنهبوا متاعه حتى نازعوه بساطاً كان تحته .
وعدا عليه الجراح بن الأسد ليسير معه فوجأه بالخنجر في فخذه ليقتله فقال الحسن:
قتلتم أبي بالأمس ووثبتم عليّ اليوم تريدون قتلي زهداً في العادلين ورغبة في القاسطين والله لتعلمن نبأه بعد حين .
نزول الحسن عن الخلافة لمعاوية سنة 41هـ ( 661م ) عام الجماعة
تفرق أهل العراق عن الحسن رضي الله عنه ولم يستطع تأليف جيش منهم لمحاربة معاوية فكتب إليه وذكر له شروطاً وقال له : إن أنت أعطيتني هذا فأنا سامع مطيع وعليك أن تفي لي به . وقال لأخيه الحسين وعبد الله بن جعفر : إنني قد راسلت معاوية في الصلح فقال له الحسين : أنشدك الله أن تصدق أحدوثة معاوية وتكذب أحدوثة أبيك ! فقال له الحسن : أسكت أنا أعلم بالأمر منك .
وكان رأي الحسين رضي الله عنه أن يحارب الحسن معاوية كما حاربه أبوه علي رضي الله عنه لكن الحسن علم تفرق الأمر عنه وأنه لو حارب معاوية بجيش غير متحد وغير راغب في القتال لما أحرز النصر فأراد أن يحقن دماء المسلمين ويصالح معاوية .
فلما سلم الحسن الأمر إلى معاوية طلب أن يعطيه الشروط التي في الصحيفة التي ختم عليها معاوية فأبى وقال : لقد أعطيتك ما كنت تطلب فلما اصطلحا قام الحسن في أهل العراق فقال :
إنه سخَّي بنفسي عنكم ثلاث : – أي الأسباب التي جعلتني أتخلى عنكم وأزهد فيكم وأسلم الأمر إلى معاوية – قتلكم أبي ، وطعنكم إياي – وكان قد طُعن – وانتهابكم متاعي يعني أنه قد فقد الثقة بهم .
وجاء الحسن شيخ يكنى أبا عامر سفيان بن ليلى فقال : السلام عليكم يا مذلَّ المؤمنين فقال : لا تقل يا أبا عامر فإني لم أذل المؤمنين ولكني كرهت أن أقتلهم في طلب الملك . وسلم الحسن الأمر إلى معاوية في النصف من شهر جمادى الأولى من سنة 41هـ فبايع الناس معاوية يومئذٍ وهو ابن ست وستين إلا شهرين .
الحسن يصف أهل الكوفة
لحق الحسن بالمدينة وأهل بيته وحشمه وجعل الناس يبكون عند مسيرهم من الكوفة فقيل للحسن : ما حملك على ما فعلت ؟ فقال : كرهت الدنيا ورأيت أهل الكوفة قوماً لا يثق بهم أحد أبداً إلا غُلب ، ليس منهم أحد يوافق آخر في رأي ولا هوى مختلفين لا نيّة لهم في خير ولا شر ، لقد لقي أبي منهم أموراً عظاماً فليت شعري لمن يصلحون بعي وهي أسرع البلاد خراباً .
هذا ما وصف به الحسن أهل الكوفة وإذا كان في الاتحاد قوة ففي التدابر والفرقة ضعف فإذا كان أهل الكوفة هكذا متفرقين في الرأي لا تجمعهم كلمة فكيف يقاتلون عدوهم ؟ وكيف يثق بهم القائد ؟ إن أول شرط في الجيش أن يكون مطيعاً لأمر القائد وإلا فشل وانهزم .
وفاة الحسن رضي الله عنه سنة 49هـ ( 669م )
توفي الحسن رضي الله عنه بالمدينة سنة 49 هجرية بعدما مضى من إمارة معاوية عشر سنين . ودفن بالبقيع وصلى عليه سعيد بن العاص وكان أميراً بالمدينة ، قدمه الحسين للصلاة على أخيه رضي الله عنهما وقال : لولا أنها سنة ما قدمتك .
وقد سمَّته امرأته جعدة بنت الأشعث بن قيس الكندي وقالت طائفة كان ذلك منها بتدسيس معاوية إليها وما بذل لها في ذلك وكان لها ضرائر غير أن هذا غير ثابت وبقي مريضاً أربعين يوماً .
ودخل الحسين على الحسن رضي الله عنهما في مرضه فقال : يا أخي إني سقيت السم ثلاث مرات فلم أسق مثل هذه المرة إني لأضع كبدي ، فقال الحسين : من سقاك يا أخي ؟ قال : ما سؤالك عن هذا ؟ أتريد أن تقاتلهم ، كِلْهم إلى الله .
ذكر بعض أقوال الحسن رضي الله عنه
حسن السؤال نصف العلم ، وقال : من بدأ بالكلام قبل السلام فلا تجيبوه وسئل عن الصمت فقال : هو سر العي وزين العرض وفاعله في راحة وجليسه في أمن .
يا ابن آدم عف عن محارم الله تكن عابداً وارض بما قسم الله لك تكن غنياً وأحسن جوار من جاورك تكن مسلماً وصاحب الناس بمثل ما تحب أن يصاحبوك به تكن عادلاً .
وقيل : سأله أبوه يوماً قائلاً : يا بني ما السداد ؟ فقال : دفع المنكر المعروف ، قال : فما الشرف ؟ قال : اصطناع العشيرة والاحتمال للجزيرة ، قال : فما السماح ؟ قال : البذل في العسر واليسر ، قال : فما اللؤم ؟ قال : إحراز المرء ماله وبذله عرضه ، قال : فما الجبن ؟ قال : الجراءة على الصديق والنكول عن العدو ، قال : فما الغنى ؟ قال : رضى النفس بما قسم الله لها وإن قلّ ، قال : فما الحلم ؟ قال : كظم الغيظ وملك النفس ، قال : فما المنعة ؟ قال : شدة البأس ومنازعة أعز الناس ، قال : فما الذل ؟ قال : الفزع عند الصدمة ، قال : فما الكلفة ؟ قال : كلامك فيما لا يعنيك ، قال : فما المجد ؟ قال : أن تعطي في الغرم وتعفو في الجرم . قال : فما السؤدد ؟ قال : إتيان الجميل وترك القبيح ، قال : فما السفه ؟ قال : اتباع الدناءة ومحبة الغواية قال : فما الغفلة ؟ قال : ترك المسجد وطاعة المفسد .
ويقول : هلاك الناس في ثلاث : في الكِبْرِ والحرص والحسد ، فالكبر هلاك الدين وبه لعن إبليس ، والحرص عدو النفس وبه أخرج آدم من الجنة ، والحسد رائد السوء ومنه قتل قابيل وهابيل .
ويقول لبنيه وبني أخيه : تعلموا العلم فإن لم تستطيعوا حفظه فاكتبوه وضعوه في بيوتكم .
 
فضلاً وليس أمراً قل ( اللهم اشف كل مريض )  
 
 
المرجع من كتاب الحسن والحسين سيدا شباب الجنة
 
للمؤلف محمد رضا رحمه الله
 
 
 
 


Go to group website
Remove me from the group mailing list