قطوف من سيرة الحسن بن علي رضى الله عنه

بسم الله الرحمن الرحيم
 
قطوف من سيرة  
الحسن بن علي رضي الله عنه وعن أبيه
سنة 3هـ ( 625م ) – 49هـ ( 669م )
 
الحسن بن علي بن أبي طالب بن عبد المطلب بن هاشم بن عبد مناف القرشي الهاشمي ، سبط النبي صلى الله عليه وسلم ، وهو أول أولاد فاطمة بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم ، سيدة نساء العالمين ، وهو سيد شباب أهل الجنة وريحانة النبي صلى الله عليه وسلم وشبيهه ، سمَّاه رسول الله الحسن وعقّ عنه يوم سابعه ( ذبح شاة ) وحلق شعره وأمر أن يتصدق بزنة شعره فضة ، وهو خامس أهل الكساء ( المجد والشرف ) .
ولد الحسن في النصف من شهر رمضان بالمدينة المنورة سنة ثلاث من الهجرة . قالت أم الفضل : يا رسول الله رأيت كأن عضواً من أعضائك في بيتي ، قال : (( رأيت خيراً ، تلد فاطمة غلاماً فترضعيه بلبن قثم )) ، فولدت الحسن فأرضعته بلبن قثم ( ابنها )
تسميته بالحسن :
قال علي بن أبي طالب رضي الله عنه : لما ولد الحسن جاء رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال : (( أروني ابني ما سميتموه ؟ )) قلت : سميته حرباً . قال : (( بل هو حسن )) فلما ولد الحسين سميناه حرباً قال : (( بل هو الحسين )) فلما ولد الثالث ، جاء النبي صلى الله عليه وسلم فقال : (( أروني ابني ما سميتموه )) ؟ قلت : سميته حرباً ، قال : (( هو مُحسن )) ثم قال : (( سميتهم بأسماء ولد هارون شبر وشبير ومشبر )) . وتوفي محسن صغيراً .
قال أبو أحمد العسكري : سمَّاه النبي صلى الله عليه وسلم الحسن وكنَّاه أبا محمد ولم يكن يعرف هذا الاسم في الجاهلية .
صفته رضي الله عنه :
كان الحسن أبيض ، مشرباً بحمرة ، أدعج العينين ، سهل الخدين ، كثّ اللحية وكان يخضب بالوسمة .
 أخلاقه وفضائله رضي الله عنه :
كان الحسن حليماً كريماً ورعاً ذا سكينة ووقار وحشمة ، جواداً ممدوحاً ميالاً للسلم يكره الفتن وإراقة الدماء ، ما سمعت منه كلمة فحش قط إلا أنه كان كثير الزواج مطلاقاً  للنساء ولا يفارق امرأة إلا وهي تحبه وكان أبوه رضي الله عنه يأخذ عليه كثرة الطلاق ويخشى عواقبها حتى قال : يا أهل الكوفة لا تزوّجوا الحسن فإنه رجل مطلاق . فقال رجل من همدان : والله لنزوّجنه فمن رضي أمسك ومن كره طلّق .
تربيته ومحبة رسول الله صلى الله عليه وسلم له :
لما كان الحسن والحسين رضي الله عنهما ابني بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبوهما علي بن أبي طالب ابن عم الرسول وربيبه فقد تربيا تربية عالية ونشآ على الفضائل في بيئة من أرقى البيئات وأشرفها وقد سمعا الحديث وكان عليه الصلاة والسلام يحبهما ويرعاهما ويعلمهما .
وفي الحديث : (( هذان ابناي وابنا ابنتي ، اللهم إني أحبهما فأحبهما وأحب من يحبهما )) .
وكان رسول الله يصلي فإذا سجد وثب الحسن والحسين على ظهره فإذا أرادوا أن يمنعوهما أشار إليهم أن دعوهما فإذا قضى الصلاة وضعهما في حجره فقال : (( من أحبني فليحبّ هذين )) .
وفي البخاري عن أبي بكرة : رأيت النبي صلى الله عليه وسلم على المنبر والحسن بن علي معه وهو يقبل على الناس مرة وعليه مرة ويقول : (( إن ابني هذا سيد ولعل الله أن يصلح به بين فئتين من المسلمين )) . قال : فلما ولي لم يهرق في خلافته محجمة من دم
ولا شك أن الحسن والحسين ورثا عن جدهما وأبيهما فصاحة اللسان وقوة الجنان وحضور البديهة والكرم والحلم وقد تعلما القرآن والتفسير من عليّ رضي الله عنه وأهل بيته وكبار الصحابة وتلقيا الحديث عنهم وكان عليّ يقول الشعر وينطق بالحكمة وكذلك نشأ ولداه رضي الله عنهما .
 أولاد الحسن رضي الله عنه
أولاد الحسن رضي الله عنه أحد عشر وهم :
1-             زيد .
2-             والحسن وأمه خولة بنت منصور الفزارية .
3-             والقاسم .
4-             وأبو بكر .
5-             وعبد الله – وهؤلاء الخمسة قتلوا مع عمهم الحسين بن علي بالطّفّ ، وهي أرض من ضاحية الكوفة في طريق البرية فيها كان مقتل الحسين بن علي رضي الله عنهما .
6-             وعمرو بن الحسن .
7-             وعبد الرحمن .
8-             والحسين الملقب بالأشرم .
9-             ومحمد .
10-        ويعقوب .
11-        وإسماعيل .
بيعة الحسن رضي الله عنه سنة 40هـ ( 661م )
بعد أن ضرب ابن ملجم علياً رضي الله عنه ، دخل عليه جندب بن عبد الله فسأله فقال : يا أمير المؤمنين إن فقدناك ولا نفقدك فنبايع الحسن ، فقال : ما آمركم ولا أنهاكم أنتم أبصر فدعا حسناً وحسيناً فقال :
أوصيكما بتقوى الله وألا تبغيا الدنيا وإن بغتكما ولا تبكيا على شئ زوى عنكما وقولا الحق وارحما اليتيم وأغيثا الملهوف واصنعا للآخرة وكونا للظالم خصماً وللمظلوم ناصراً واعملا بما في كتاب الله ولا تأخذكم في الله لومة لائم .
بويع للحسن بالكوفة في شهر رمضان من سنة 40هـ بعد وفاة أبيه بيومين وقيل إن أول من بايعه قيس بن سعد الأنصاري ، قال له : ابسط يدك أبايعك على كتاب الله عزّ وجلّ وسنة نبيه وقتال المُحِلين .
فقال له الحسن رضي الله عنه : على كتاب الله وسنة نبيه فإن ذلك يأتي على كل شرط . فبايعه وبايعه الناس وكان الذين بايعوه 40.000 .
لما بايع أهل العراق الحسن بلغه مسير معاوية في أهل الشام إليه في جيش قدره 60.000 فتجهز هو والجيش الذين بايعوا علياً وعدته 40.000 مقاتل وسار عن الكوفة إلى لقاء معاوية وكان قد نزل ( مَسْكِن ) فوصل الحسن إلى المدائن وجعل قيس بن سعد الأنصاري على مقدمته في اثني عشر ألفاً . وقيل : بل كان الحسن قد جعل على مقدمته عبد الله بن عباس فجعل عبد الله على مقدمته في الطلائع قيس بن سعد فلما نزل الحسن المدائن نادى مناد في العسكر : ألا إن قيس بن سعد قتل فانفروا ، فنفروا بسرداق الحسن فنهبوا متاعه حتى نازعوه بساطاً كان تحته .
وعدا عليه الجراح بن الأسد ليسير معه فوجأه بالخنجر في فخذه ليقتله فقال الحسن:
قتلتم أبي بالأمس ووثبتم عليّ اليوم تريدون قتلي زهداً في العادلين ورغبة في القاسطين والله لتعلمن نبأه بعد حين .
نزول الحسن عن الخلافة لمعاوية سنة 41هـ ( 661م ) عام الجماعة
تفرق أهل العراق عن الحسن رضي الله عنه ولم يستطع تأليف جيش منهم لمحاربة معاوية فكتب إليه وذكر له شروطاً وقال له : إن أنت أعطيتني هذا فأنا سامع مطيع وعليك أن تفي لي به . وقال لأخيه الحسين وعبد الله بن جعفر : إنني قد راسلت معاوية في الصلح فقال له الحسين : أنشدك الله أن تصدق أحدوثة معاوية وتكذب أحدوثة أبيك ! فقال له الحسن : أسكت أنا أعلم بالأمر منك .
وكان رأي الحسين رضي الله عنه أن يحارب الحسن معاوية كما حاربه أبوه علي رضي الله عنه لكن الحسن علم تفرق الأمر عنه وأنه لو حارب معاوية بجيش غير متحد وغير راغب في القتال لما أحرز النصر فأراد أن يحقن دماء المسلمين ويصالح معاوية .
فلما سلم الحسن الأمر إلى معاوية طلب أن يعطيه الشروط التي في الصحيفة التي ختم عليها معاوية فأبى وقال : لقد أعطيتك ما كنت تطلب فلما اصطلحا قام الحسن في أهل العراق فقال :
إنه سخَّي بنفسي عنكم ثلاث : – أي الأسباب التي جعلتني أتخلى عنكم وأزهد فيكم وأسلم الأمر إلى معاوية – قتلكم أبي ، وطعنكم إياي – وكان قد طُعن – وانتهابكم متاعي يعني أنه قد فقد الثقة بهم .
وجاء الحسن شيخ يكنى أبا عامر سفيان بن ليلى فقال : السلام عليكم يا مذلَّ المؤمنين فقال : لا تقل يا أبا عامر فإني لم أذل المؤمنين ولكني كرهت أن أقتلهم في طلب الملك . وسلم الحسن الأمر إلى معاوية في النصف من شهر جمادى الأولى من سنة 41هـ فبايع الناس معاوية يومئذٍ وهو ابن ست وستين إلا شهرين .
الحسن يصف أهل الكوفة
لحق الحسن بالمدينة وأهل بيته وحشمه وجعل الناس يبكون عند مسيرهم من الكوفة فقيل للحسن : ما حملك على ما فعلت ؟ فقال : كرهت الدنيا ورأيت أهل الكوفة قوماً لا يثق بهم أحد أبداً إلا غُلب ، ليس منهم أحد يوافق آخر في رأي ولا هوى مختلفين لا نيّة لهم في خير ولا شر ، لقد لقي أبي منهم أموراً عظاماً فليت شعري لمن يصلحون بعي وهي أسرع البلاد خراباً .
هذا ما وصف به الحسن أهل الكوفة وإذا كان في الاتحاد قوة ففي التدابر والفرقة ضعف فإذا كان أهل الكوفة هكذا متفرقين في الرأي لا تجمعهم كلمة فكيف يقاتلون عدوهم ؟ وكيف يثق بهم القائد ؟ إن أول شرط في الجيش أن يكون مطيعاً لأمر القائد وإلا فشل وانهزم .
وفاة الحسن رضي الله عنه سنة 49هـ ( 669م )
توفي الحسن رضي الله عنه بالمدينة سنة 49 هجرية بعدما مضى من إمارة معاوية عشر سنين . ودفن بالبقيع وصلى عليه سعيد بن العاص وكان أميراً بالمدينة ، قدمه الحسين للصلاة على أخيه رضي الله عنهما وقال : لولا أنها سنة ما قدمتك .
وقد سمَّته امرأته جعدة بنت الأشعث بن قيس الكندي وقالت طائفة كان ذلك منها بتدسيس معاوية إليها وما بذل لها في ذلك وكان لها ضرائر غير أن هذا غير ثابت وبقي مريضاً أربعين يوماً .
ودخل الحسين على الحسن رضي الله عنهما في مرضه فقال : يا أخي إني سقيت السم ثلاث مرات فلم أسق مثل هذه المرة إني لأضع كبدي ، فقال الحسين : من سقاك يا أخي ؟ قال : ما سؤالك عن هذا ؟ أتريد أن تقاتلهم ، كِلْهم إلى الله .
ذكر بعض أقوال الحسن رضي الله عنه
حسن السؤال نصف العلم ، وقال : من بدأ بالكلام قبل السلام فلا تجيبوه وسئل عن الصمت فقال : هو سر العي وزين العرض وفاعله في راحة وجليسه في أمن .
يا ابن آدم عف عن محارم الله تكن عابداً وارض بما قسم الله لك تكن غنياً وأحسن جوار من جاورك تكن مسلماً وصاحب الناس بمثل ما تحب أن يصاحبوك به تكن عادلاً .
وقيل : سأله أبوه يوماً قائلاً : يا بني ما السداد ؟ فقال : دفع المنكر المعروف ، قال : فما الشرف ؟ قال : اصطناع العشيرة والاحتمال للجزيرة ، قال : فما السماح ؟ قال : البذل في العسر واليسر ، قال : فما اللؤم ؟ قال : إحراز المرء ماله وبذله عرضه ، قال : فما الجبن ؟ قال : الجراءة على الصديق والنكول عن العدو ، قال : فما الغنى ؟ قال : رضى النفس بما قسم الله لها وإن قلّ ، قال : فما الحلم ؟ قال : كظم الغيظ وملك النفس ، قال : فما المنعة ؟ قال : شدة البأس ومنازعة أعز الناس ، قال : فما الذل ؟ قال : الفزع عند الصدمة ، قال : فما الكلفة ؟ قال : كلامك فيما لا يعنيك ، قال : فما المجد ؟ قال : أن تعطي في الغرم وتعفو في الجرم . قال : فما السؤدد ؟ قال : إتيان الجميل وترك القبيح ، قال : فما السفه ؟ قال : اتباع الدناءة ومحبة الغواية قال : فما الغفلة ؟ قال : ترك المسجد وطاعة المفسد .
ويقول : هلاك الناس في ثلاث : في الكِبْرِ والحرص والحسد ، فالكبر هلاك الدين وبه لعن إبليس ، والحرص عدو النفس وبه أخرج آدم من الجنة ، والحسد رائد السوء ومنه قتل قابيل وهابيل .
ويقول لبنيه وبني أخيه : تعلموا العلم فإن لم تستطيعوا حفظه فاكتبوه وضعوه في بيوتكم .
 
فضلاً وليس أمراً قل ( اللهم اشف كل مريض )  
 
 
المرجع من كتاب الحسن والحسين سيدا شباب الجنة
 
للمؤلف محمد رضا رحمه الله
 
 
 
 


Go to group website
Remove me from the group mailing list

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *