هل كلنا منشغلون بالعسل

التمست للإنسان مثلاً فإذا مثله مثل رجل نجا من خوف فيل هائج إلى بئر فتدلى فيها وتعلق بغصنين كانا على سمائها فوقعت رجلاه على شيء في طي البئر فإذا حيات أربع قد أخرجن رؤوسهن من أجحارهن ثم نظر فإذا في قعر البئر تنين فاتح فاه منتظر له ليقع فيأخذه فرفع بصره إلى الغصنين فإذا في أصلهما جرذان أسود وأبيض وهما يقرضان الغصنين لا يفتران فبينما هو في النظر لأمره والاهتمام لنفسه إذ بصر قريباً منه بخلية فيها عسل فذاق العسل فشغلته حلاوته وألهته لذته عن الفكرة في شيء من أمره وأن يلتمس الخلاص لنفسه ولم يذكر أن رجليه على حيات أربع لا يدري متى يقع عليهن ولم يذكر أن الجرذين دائبان في قطع الغصنين ومتى انقطعا وقع على التنين فلم يزل لاهياً غافلاً مشغولاً بتلك الحلاوة حتى سقط في فم التنين فهلك . فشبهت بالبئر الدنيا المملوءة آفات وشروراً ومخافات وعاهات وشبهت بالحيات الأربع الأخلاط الأربعة التي في البدن ( يعني الدم والبلغم والصفراء والسوداء ) فإنها متى هاجت أو هاج أحدهما كانت كحمة الأفاعي والسم المميت وشبهت بالغصنين الأجل الذي هو إلى حين ثم لابد من فنائه وانقطاعه وشبهت بالجرذين الأسود والأبيض الليل والنهار اللذين هما دائبان في إفناء الأجل وشبهت بالتنين المصير الذي لابد منه وشبهت بالعسل هذه الحلاوة القليلة التي ينال منها الإنسان فيرى ويطعم ويسمع ويشم ويلمس ويتشاغل عن نفسه ويلهو عن شأنه فينسى أمر الآخرة ويصد عن سبيل قصد. انتهى.

فضلاً وليس أمراً قل

اللهم لا تجعل الدنيا أكبر همنا ولا مبلغ علمنا ولا إلى النار مصيرنا واجعل الجنة هي دارنا وقرارنا ، اللهم آمين

المرجع :

كليلة ودمنة ، عبد الله بن المقفع ، ط / عز الدين للطباعة النشر : ص 86 – 88 ” .

مثل الرجل والتنين ، بتصرف.

حقيقة محبة النبي صلى الله عليه وسلم

بدأت أكتب هذه الصحائف وأنا في المدينة المنورة وفي الجوار الطيب الذي سعدت به حيناً وأعانني على إتمام دراسات جيدة في السنة المطهرة والسيرة العطرة . ولله المنة على ما أولى من نعمه ولعله ” جل شأنه ” يجعلني ممن يحبونه ويحبون رسوله ولما كنت لا أحسن القول والعمل إلا في نطاق الصراحة فلا بد أن أشير إلى أن البون بعيد بين المسلمين ورسولهم ” صلى الله عليه وسلم ” مهما أكنوا له من حب وأدمنوا من صلوات لقد رأيتهم يزورون الروضة مشوقين متلهفين ويعودون إلى موطنهم ليجدوا من يغبطهم على حظهم ويود لو ظفر بما نالوا .

أما إن محبة رسول الله ” صلى الله عليه وسلم ” واجبة ، فهذا ما لا يماري فيه مؤمن ، وما يغيض حبه إلا من قلب منافق جحود ، ولكن أن هذه العاطفة مظهر الولاء له فهذا ما يحتاج إلى تهذيب وبيان . إن يثرب من ناحية العمران العام أقل منها يوم كانت موطناً للأوس والخزرج في الجاهلية الأولى وما يزرع اليوم من أرضها عشر ما كان يزرعه العرب قديماً وجمهور السكان من رواسب المواسم المزدحمة بالحجيج والزوار وهم يؤثرون الجوار العاطل على العودة للعمل في بلادهم ويسمون ذلك هجرة فهل ذلك إسلام أو حب لرسول الله ” صلى الله عليه وسلم ” ؟

أذكر أنه قابلني نفر من أهل المغرب يزعمون أنهم قدموا إلى المدينة فراراً بدينهم من الفتن فأفهمتهم أنهم فارون من الزحف لأن إخوانهم يقاتلون الفرنسيين الغزاة وهم مجرمون بتركهم المجاهدين يحملون وحدهم عبء هذا الكفاح .

إن هذا الحب لرسول الله ” صلى الله عليه وسلم ” غير مفهوم وهذه الهجرة لمدينته غير متقبلة وصلة نبي الله بعباد الله أشد وأحكم من أن تأخذ هذه السبل الشاردة الملتوية .

إن أعداء الإسلام تمكنوا – في غفلة أهله – أن يصدعوا بناءه ويجعلوه أنقاضاَ فكيف يترك تراث محمد ” صلى الله عليه وسلم ” نهباً للعوادي ؟ وكيف يمهد للجاهلية الأولى أن تعود ؟ وكيف يقع هذا التبدل الخطير في سكون ؟ بل في مظهر من الحب لرسول الله ” صلى الله عليه وسلم “

< فليفقه المسلمون سيرة رسولهم العظيم >

وهيهات أن يتم ذلك إلا بالفقه في الرسالة نفسها والإدراك الحق لحياة صاحبها والالتزام الدقيق لما جاء به .

ألا ما أرخص الحب إذا كان كلاماً وما أغلاه عندما يكون قدوة وذماماً

إنني أعتذر عن تقصيري في إيفاء هذا الموضوع حقه فشأن رسول الله ” صلى الله عليه وسلم ” كبير والإبانة عن سيرته تحتاج إلى نفس أرق وذكاء أنفذ وحسبي أن ذاك جهدي .

اللهم صلى على محمد وعلى آل محمد كما صليت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم في العالمين إنك حميد مجيد .

المرجع :

فقه السيرة .

محمد الغزالي رحمه الله.

ط / دار القلم ” ص 8 – 9 ” .

فصل : المقدمة .