محاولات سرقة جسد النبي صلى الله عليه وسلم وصاحبيه رضى الله عنهما !

بسم الله الرحمن الرحيم
محاولات سرقة جسد النبي صلى الله عليه وسلم وصاحبيه رضي الله عنهما .
إن الكتب التاريخية تروي لنا مظاهر حقد أعداء الدين الإسلامي منذ ولادة نبي الهدى والرحمة صلوات الله وسلامه عليه . وذلك بعد فشلهم في مواجهته صلى الله عليه وسلم بالدليل والبرهان ، ومن أبشع هذه المظاهر محاولاتهم لقتله صلى الله عليه وسلم والتي باءت بالفشل لأن الله تعالى قد وعده بالعصمة . قال تعالى : (( والله يعصمك من الناس )) (1) .
وبعد عجزهم عن النيل منه صلى الله عليه وسلم في حياته استمروا في الكيد والعداء بعد وفاته صلى الله عليه وسلم ويتمثل ذلك في محاولاتهم لسرقة جسده الشريف من قبره المنيف . وأنى لهم ذلك وقد وعد الله نبيه بعصمته حيا وميتا . وفي الصفحات التالية بيان لهذه المحاولات ودراسة لبعض جوانبها .
المحاولة الأولى :
إن المحاولة الأولى لنقل الجسد الشريف من الحجرة الشريفة إلى مصر كانت في بداية القرن الخامس الهجري وذلك بإشارة من الحاكم العبيدي الملقب ” بالحاكم بأمر الله ” ( 2) . وعلى يد أبي الفتوح (3) .
وقد ذكر المؤرخون تفصيل هذه المحاولة نقلا عن تاريخ بغداد لابن النجار بسنده قال : أخبرنا أبو محمد عبد الله بن المبارك المقرئ عن أبي المعالي صالح بن شافع الجيلي أنبأنا أبو القاسم عبد الله بن محمد المعلم ، ثنا أبو القاسم عبد الحليم ابن محمد المغربي أن بعض الزنادقة أشار على الحاكم العبيدي صاحب مصر بنقل النبي صلى الله عليه وسلم وصاحبيه من المدينة إلى مصر وزيَّنَ له ذلك ، وقال : متى تم لك ذلك شدّ الناس رحالهم من أقطار الأرض إلى مصر وكانت مَنْقَبَة لسكانها ، فاجتهد الحاكم في مدة وبنى بمصر حائزا وأنفق
(1)     سورة المائدة : 67 .
(2)   هو سادس الخلفاء العبيديين تولى الحكم في سنة 386 هـ  وادعى الألوهية سنة 408 هـ  ومات سنة 411 هـ  وكان قاسياً سفاكاً للدماء ودروز لبنان يقدسونه معتقدين أن الله قد حل فيه وينتظرون عودته . البداية والنهاية ( 11 / 441 ) .
(3)     هو أبو الفتوح الحسن بن جعفر من بني سليمان تولى إمرة مكة والمدينة سنة تسعين وثلاثمائة من الهجرة بأمر الحاكم العبيدي . صبح الأعشى للقلقشندي ( 4 / 299 ) .
عليه مالا جزيلا . قال : وبعث أبا الفتوح لنَبْشِ الموضع الشريف ، فلما وصل إلى المدينة الشريفة وجلس بها حضر جماعة المدنيين وقد عَلِموا ما جاء فيه ، وحضر معهم قارئ يعرف بالزلباني ، فقرأ في المجلس (( و إن نكثوا أيمانهم من بعد عهدهم )) إلى قوله (( إن كنتم مؤمنين )) فماج الناس ، وكادوا يقتلون أبا الفتوح ومن معه من الجند وما منعهم من السرعة إلى ذلك إلا أن البلاد كانت لهم .
ولما رأى أبو الفتوح ذلك قال لهم : الله أحقُّ أن يُخشى ، والله لو كان على من الحاكم فَوَات الروح ما تعرضْتُ للموضع ، وحصل له من ضيق الصدر ما أزعجه كيف نهض في مثل هذه المخزية ، فما انصرف النهارُ ذلك اليوم حتى أرسل الله ريحاً كادت الأرضُ تزَلْزَلُ من قوتها حتى دحرجت الإبل بأقتابها والخيل بسروجها كما تدحرج الكرة على وجه الأرض ، وهلك أكثرها وخلق من الناس ، فانشرح صدر أبي الفتوح وذهب رَوْعُه من الحاكم لقيام عُذْره من امتناع ما جاء فيه (1) .
المحاولة الثانية :
 تفيد المصادر التاريخية أن الحاكم بأمر الله العبيدي حاول مرة أخرى لنبش قبر النبي صلى الله عليه وسلم لكن هذه المحاولة باءت أيضا بالفشل والخذلان ، وحفظ الله نبيه صلى الله عليه وسلم . وقد ذكر المؤرخون تفصيل هذه المحاولة نقلا عن كتاب تأسي أهل الإيمان فيما جرى على مدينة القيروان لابن سعدون القيرواني ما لفظه :
ثم أرسل الحاكم بأمر الله إلى مدينة الرسول صلى الله عليه وسلم من ينبش قبر النبي صلى الله عليه وسلم فدخل الذي أراد وسكن دارا بقرب المسجد وحفر تحت الأرض ليصل إلى قبر النبي صلى الله عليه وسلم فرأوا أنوارا وسمع صائح يقول : أيها الناس إن نبيكم ينبش ففتش الناس فوجدوهم فقتلوهم .
(1)     تحقيق النصرة ص 146 ، 147 الوفا بما يجب لحضرة المصطفى ص 129 وفاء الوفا ( 2 / 652 ،  653) عمدة الأخبار ص 128 ، 129 .
(2)      وفاء الوفا ( 2 / 653 ) .
المحاولة الثالثة :
 لقد خطط لهذه المحاولة بعض ملوك النصارى ونفذت بواسطة اثنين من النصارى المغاربة سنة 557هـ  وقد كان تخطيط هذه المحاولة وتنفيذها بكل دقة ومهارة لكن قدرة الله فوق كل شئ وقد وعد نبيه صلى الله عليه وسلم بالحفظ والعصمة فحفظه وفشلت محاولة النصارى ، وقد ذكر المؤرخون تفاصيل هذه المحاولة فقال السمهودي : وقفت على رسالة قد صنفها العلامة جمال الدين الأسنوي في المنع من استعمال الولاة للنصارى فرأيته ذكر فيها ما لفظه : وقد دعتهم أنفسهم – يعني النصارى – في سلطنة الملك العادل نور الدين الشهيد (1) إلى أمر عظيم ظنوا أنه يتم لهم ، ويأبى الله إلا أن يتم نوره ولو كره الكافرون ، وذلك أن السلطان المذكور كان له تهجُّد يأتي به بالليل وأوراد يأتي بها ، فنام عقبَ تهجده ، فرأى النبي صلى الله عليه وسلم في نومه وهو يشير إلى رجلين أشقرين ويقول : أنْجِدْني أنْقِذْني من هذين ، فاستيقظ فزعا ، ثم توضأ وصلى ونام فرأى المنام بعينه ، فاستيقظ وصلى ونام فرآه أيضا مرة ثالثة ، فاستيقظ وقال : لم يبق نوم ، وكان له وزير من الصالحين يقال له جمال الدين الموصلي فأرسل خَلْفَه ليلا ، وحكى له جميع ما اتفق له ، فقال له : وما قعودك ؟ اخرجِ الآن إلى المدينة المنورة ، واكتم ما رأيت ، فتجهَّز في بقية ليلته وخرج على رواحل خفيفة في عشرين نفرا ، وصحبته الوزير المذكور ومال كثير فقدم المدينة في ستة عشر يوما ، فاغتسل خارجها ودخل فصلى بالروضة وزار ، ثم جلس لا يدري ماذا يصنع فقال الوزير وقد اجتمع أهل المدينة في المسجد : إن السلطان قصد زيارة النبي صلى الله عليه وسلم ، وأحضر معه أموالا للصدقة فاكتبوا من عندكم ، فكتبوا أهل المدينة كلهم وأمر السلطان بحضورهم ، وكل من حضر ليأخذ يتأمله ليجد فيه الصفة التي أراها النبي صلى الله عليه وسلم له فلا يجد تلك الصفة ، فيعطيه ويأمره بالانصراف ، إلى أن انقضت الناس فقال السلطان : هل بقي أحد لم يأخذ شيئاً من الصدقة ؟ قالوا : لا ، فقال : تفكروا وتأملوا ، فقالوا : لم يبق أحد إلا رجلين مغربيين لا يتناولان من أحد شيئاً ، وهما صالحان غنيَّان يكثران  
(1) هو محمد بن عماد الدين أبو القاسم نور الدين زنكي ، ولد في شوال سنة 511 هـ  ، قسمت دولة الأتابكة بعد وفاة أبيه بينه وبين أخيه ، فتولى حلب وأخوه سيف الدين الغازي الموصل ، وامتد نفوذ نور الدين إلى الموصل والجزيرة وسوريا ومصر وقونيا ، توفي سنة 569 هـ / 1174 م ودفن بالقلعة ، ثم نقل ودفن بمدرسته في سوق الخواصين بدمشق .  
الصدقة على المحاويج ، فانشرح صدرُه وقال : عليَّ بهما فأتي بهما فرآهما الرجلين اللذين أشار النبي صلى الله عليه وسلم إليهما بقوله : أنجدني أنقذني من هذين ، فقال لهما : من أين أنتما ؟ فقالا : من بلاد المغرب ، جئنا حاجَّين فاخترنا المجاورة في هذا العام عند رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فقال : اصْدُقاني ، فصمما على ذلك ، فقال : أين منزلهما ؟ فأخبر بأنهما في رباط بقرب الحجرة الشريفة فأمسكهما وحضر إلى منزلهما فرأى فيه مالا كثيرا وخَتْمَتَين وكتباً في الرقاق ولم ير فيه شيئا غير ذلك فأثنى عليهما أهل المدينة بخير كثير وقالوا : إنهما صائمان الدهر ملازمان الصلوات في الروضة الشريفة وزيارة النبي صلى الله عليه وسلم وزيارة البقيع كل يوم بكرة وزيارة قباء كل سبت ولا يرُدَّان سائلا قط بحيث سدَّا خلَّة أهل المدينة في هذا العام المجدب ، فقال السلطان : سبحان الله ولم يظهر شيئا مما رآه ، وبقي السلطان يطوف في البيت بنفسه فرفع حصيرا في البيت فرأى سردابا محفورا ينتهي إلى صَوْب الحجرة الشريفة فارتاعت الناس لذلك ، وقال السلطان عند ذلك : اصْدُقاني حالكما وضربهما ضربا شديدا ، فاعترفا بأنهما نصرانيان بعثهما النصارى في زي حجاج المغاربة وأمالوهما بأموال عظيمة وأمروهما بالتحيل في شئ عظيم خيَّلته لهم أنفسهم وتوهموا أن يمكنهم الله منه وهو الوصول إلى الجناب الشريف ويفعلوا به ما زيَّنه لهم إبليس في النقل وما يترتب عليه ، فنزلا في أقرب رباط إلى الحجرة الشريفة ، وفعلا ما تقدم ، وصارا يحفران ليلا ولكل منهما محفظة جلد على زي المغاربة ، والذي يجتمع من التراب يجعله كل منهما في محفظته ، ويخرجان لإظهار زيارة البقيع فيلقيانه بين القبور ، وأقاما على ذلك مدة فلما قربا من الحجرة الشريفة أرْعَدَتِ السماء وأبرقت ، وحصل رجيف عظيم بحيث خيل انقلاع تلك الجبال ، فقدم السلطان صبيحة تلك الليلة . واتفق إمساكهما واعترافهما ، فلما اعترفا وظهر حالهما على يديه ، ورأى تأهيلَ الله له لذلك دون غيره بكى بكاء شديداً وأمر بضرب رقابهما ، فقتلا تحت الشباك الذي يلي الحجرة الشريفة ، وهو مما يلي البقيع ثم عاد إلى مُلْكه وأمر بإضعاف النصارى ، وأمر أن لا يستعمل كافر على عمل من الأعمال ، وأمر مع ذلك بقطع المكوس جميعها ، انتهى .
وقد أشار إلى ذلك الجمال المطري باختصار ، ولم يذكر عمل الخندق حول الحجرة وسَبْك الرصاص به ، لكن بيَّن السنة التي وقع فيها ذلك مع مخالفة لبعض ما تقدم ، فقال في الكلام على سور المدينة المحيط بها اليوم : وصل السلطان نور الدين محمود بن زَنْكي بن اقسنقد في سنة سبع وخمسين وخمسمائة إلى المدينة الشريفة بسبب رؤيا رآها ذكرها بعض الناس وسمعتها من الفقيه علم الدين يعقوب بن أبي بكر المحترق أبوه ليلة حريق المسجد عمن حدثه من أكابر من أدرك أن السلطان محمود المذكور رأى النبي صلى الله عليه وسلم ثلاث مرات في ليلة واحدة وهو يقول في كل واحدة : يا محمود أنقذني من هذين الشخصين الأشقرين تجاهه ، فاستحضر وزيره قبل الصبح فذكر له ذلك فقال له : هذا أمر حدث في مدينة النبي صلى الله عليه وسلم ليس له غيرك ، فتجهز وخرج على عجل بمقدار ألف راحلة وما يتبعها من خيل وغير ذلك ، حتى دخل المدينة على غفلة من أهلها والوزير معه وزار وجلس في المسجد لا يدري ما يصنع فقال له الوزير : أتعرف الشخصين إذا رأيتهما ؟ قال : نعم ، فطلب الناس عامة للصدقة وفرق عليهم ذهباً كثيراً وفضة وقال : لا يبقيَنَّ أحدٌ بالمدينة إلا جاء ، فلم يبق إلا رجلان مجاوران من أهل الأندلس نازلان في الناحية التي قبلة حُجرة النبي صلى الله عليه وسلم من خارج لمسجد عند دار آل عمر بن الخطاب التي تعرف اليوم بدار العشرة ، فطلبهما للصدقة فامتنعا وقالا : نحن على كفاية ما نقبل شيئا فجدَّ في طلبهما فجئ بهما فلما رآهما قال للوزير : هما هذان فسألهما عن حالهما وما جاء بهما ، فقالا : لمجاورة النبي صلى الله عليه وسلم فقال : اصْدُقاني وتكرر السؤال حتى أفضى إلى معاقبتهما فأقرَّا أنهما من النصارى وأنهما وصلا لكي ينقلا مَنْ في هذه الحجرة الشريفة باتفاق من مُلوكهم ووجدهما قد حفرا نقباً تحت الأرض من تحت حائط المسجد القبلي ، وهما قاصدان إلى جهة الحجرة الشريفة ويجعلان التراب في بئر عندهما في البيت هما فيه ، هكذا حدثني عمن حدثه فضرب أعناقهما عند الشباك الذي في شرقي حجرة النبي صلى الله عليه وسلم خارج المسجد ثم أحرقا بالنار آخر النهار وركب متوجها إلى الشام .
وقد ساق المجدُ هذه الواقعة على الوجه الذي ذكره المطري فقال : ومن الحوادث في المسجد الشريف ما نقله جماعة من مشايخ المدينة وعلمائها وذكر ما تقدم وكذلك الزين المراغي ذكر ما تقدم عن المطري نقلا عنه وزاد أن وزير السلطان نور الدين الذي استحضره وذكر له القصة هو الموفق خالد بن محمد بن نصر القيسراني الشاعر ، قال : وكان موفقا .
ومأخذه في ذلك – كما رأيته في حاشية بخطه على كتابه – أن الذهبي قال في ترجمة الموفق هذا : موفق الدين أبو البقاء صاحب الخط المنسوب وكان صدرا نبيلا ، وافر الحشمة ، وزر للسلطان نور الدين ، توفي بحلب سنة ثمان وثمانين وخمسمائة ، انتهى .
وقد خالف الزين في ذلك ما قدمناه عن شيخه الأسنوي من تسمية الوزير المذكور بجمال الدين الموصلي ، ولا يلزم من كون الموفق وزر للسلطان نور الدين أن يكون هو الوزير عند وقوع الرؤيا المذكورة ، لاحتمال أنه وزر له بعد ذلك أو قبله ، وجمال الدين الموصلي هذا هو الجواد الأصفهاني ، وقد تقدم ذكره في ترخيم الحجرة ، ووصفه بأنه وزير بني زنكي ، لأنه كان وزير والد نور الدين الشهيد الذي هو زنكي ثم وزر لولده غازي ، وأدرك دولة نور الدين الشهيد وزمان هذه الواقعة ، فالظاهر أنه وزر له وأنه المراد في هذه الواقعة .
وقال ابن الأثير : طالعت تواريخ الملوك المتقدمين قبل الإسلام وفيه إلى يومنا ، فلم أر بعد الخلفاء الراشدين وعمر بن عبد العزيز ملكا أحسن سيرة من الملك العادل نور الدين ، انتهى (1)  .     
بناء السور حول القبور الشريفة : ظهر من هذا السرد التاريخي أن المحاولتين الأولى والثانية لنقل جسد النبي صلى الله عليه وسلم كانتا ما بين سنة 386 – 411هـ  في عهد الحاكم العبيدي الإسماعيلي الملقب بالحاكم بأمر الله وفي المرة الثالثة قام نصارى المغرب بهذه المحاولة سنة 557 هـ  وفي كل مرة حفظ الله نبيه صلى الله عليه وسلم . ونظراً لما رأى السلطان نور الدين زنكي رحمه الله في المنام ما يتعلق بالمحاولة الثالثة أحب أن يحصن القبور الشريفة بسور رصاصي متين كيلا يتمكن أي زنديق للعودة إلى استخدام أسلوب السرداب السري في مثل هذه المحاولات . ووقد كان ذلك ، فمنذ أن بنى هذا السور لم يتجرأ أحد على تكرار هذه المحاولة سراً . وفيما يلي أهم ملامح بناء هذا السور .
(1) وفاء الوفا ( 2 / 648 – 652 ) .
أمر السلطان بحفر خندق عميق إلى الماء حول الحجرة الشريفة وصب فيها الرصاص بين أحجار عظيمة مربوطة بكتل من الحديد فأصبح الوضع بعد تمامه ثلاثة جدر ، جدار قائم على الماء مربوطة أحجاره بالحديد وأحجاره متداخلة في بعضها البعض وجدار آخر أمامه يشبهه تماما في الشكل والوضع والعمق وصب رصاص بين الجدارين على شكل قوالب الأحجار ، فشكل الرصاص بهذا الوصف جدارا ثالثا فصارت ثلاثة جدر محيطة بالحجرة الشريفة .
هذه خلاصة ما قاله الخيارى (1) . ، أما السمهودي وغيره من المؤرخين القدامى فلم يذكروا هذا التفصيل بل قالوا : أمر السلطان بإحضار رصاص عظيم وحفر خندقا عظيما إلى الماء حول الحجرة الشريفة كلها وأذيب ذلك الرصاص وملأ به الخندق فصار حول الحجرة الشريفة سورا رصاصا إلى الماء حتى لا يتمكن أحد من العودة إلى مثل هذه المحاولة (2) .
وجدير بالذكر أن الدار التي جلس فيها السلطان نور الدين الزنكي لتوزيع المنح على أهل المدينة عرفت بدار الضيافة . وكانت موجودة شمالي المسجد خارج باب عمر بن الخطاب إلى أن هدمت في التوسعة السعودية الثانية وضمت إلى المسجد .
أما الموضع الذي كان يجمع فيه الرصاص ويذاب فكان على بعد خطوات من باب السلام وظل معروفا بسقيفة الرصاص إلى أن تهدم أثناء حريق القماشة في يوم الاثنين الموافق 18 / رجب 1397هـ . (3) .
المحاولة الرابعة :
 ذكر ابن جبير تفصيل هذه المحاولة حيث وصل مدينة الإسكندرية بمصر أثناء رحلته يوم السبت / التاسع والعشرين من شهر ذي القعدة سنة 578هـ (4) ورحل منها يوم الأحد / الثامن لذي الحجة من السنة
(1) تاريخ معالم المدينة المنورة ص 84 .
(2) وفاء الوفا ( 2 / 60 ) مرآة الحرمين ( 1 / 474 ) .
(3) انظر صورة هذه السقيفة في : المدينة المنورة وأول بلدية في بلاد الإسلام ص 88 لمحمد عبد الجليل النمر .
(4) رحلة ابن جبير ص 12 .
نفسها (1) ، وذكر في رحلته ما شاهد بالإسكندرية .
لما حللنا الإسكندرية في الشهر المؤرخ أولا عاينا مجتمعا من الناس عظيماً بروزاً لمعاينة أسرى من الروم أدخلوا البلد راكبين على الجمال ووجوههم إلى أذنابها وحولهم الطبول والأبواق . فسألنا عن قصتهم ، فأخبرنا بأمر تتفطر له الأكباد إشفاقا وجزعا . وذلك أن جملة من نصارى الشام اجتمعوا وأنشأوا مراكب في أقرب المواضع التي لهم من بحر القلزُم – البحر الأحمر – ثم حملوا أنقاضها على جمال العرب المجاورين لهم بكراء اتفقوا معهم عليه ، فلما حصلوا بساحل البحر سمروا مراكبهم وأكملوا انشاءها وتأليفها ودفعوها في البحر وركبوها قاطعين بالحجاج ، وانتهوا إلى بحر النعم فأحرقوا فيه نحو ستة عشر مركباً ، وانتهوا إلى عيذاب فأخذوا فيها مركباً كان يأتي بالحجاج من جدة وأخذوا أيضا في البر قافلة كبيرة تأتي من قوص إلى عيذاب وقتلوا الجميع ولم يحيوا أحداً وأخذوا مركبين كانا مقبلين بتجار من اليمن ، وأحرقوا أطعمة كثيرة على ذلك الساحل كانت معدة لميرة مكة والمدينة أعزهما الله وأحدثوا حوادث شنيعة لم يسمع مثلها في الإسلام ولا انتهى رومي إلى ذلك الموضع قطّ .
ومن أعظمها حادثة تسد المسامع شناعة وبشاعة وذلك أنهم كانوا عازمين على دخول مدينة الرسول صلى الله عليه وسلم وإخراجه من الضريح المقدس . أشاعوا ذلك وأجروا ذكره على ألسنتهم . فأخذهم الله باجترائهم عليه وتعاطيهم ما تحول عناية القدر بينهم وبينه . ولم يكن بينهم وبين المدينة أكثر من مسيرة يوم . فدفع الله عاديتهم بمراكب عمرت من مصر والإسكندرية دخل فيها الحاجب المعروف بلؤلؤ مع أنجاد المغاربة البحريين . فلحقوا العدو وهو قد قارب النجاة بنفسه فأخذوا عن آخرهم . وكانت آية من آيات العنايات الجبارية ، وأدركوهم عن مدة طويلة كانت بينهم من الزمان نيف على شهلر ونصف أو حوله . وقتلوا وأسروا ، وفرق من الأسارى على البلاد ليقتلوا بها ووجه منهم إلى مكة والمدينة . وكفى الله بجميل صنعه الإسلام والمسلمين أمراً عظيماً ، والحمد لله رب العالمين . (2)
(1)     رحلة ابن جبير ص 17 .
(2) رحلة ابن جبير ص 31 ، 32 .
المحاولة الخامسة :
” يا صواب (1) : يدق عليك الليلة أقوام المسجد فافتح لهم ومكنهم مما أرادوا ولا تعارضهم ولا تعترض عليهم ” (2) .
كلمات قالها أمير المدينة النبوية لشيخ خدام المسجد النبوي الشريف في شأن ناس من أهل حلب الذين جاءوا لإخراج جسد الشيخين أبي بكر وعمر رضي الله عنهما من الحجرة الشريفة ، وفيما يلي تفصيل ذلك :
لقد ذكر المحب الطبري في الرياض النضرة في فضائل العشرة قال : أخبرني هارون ابن الشيخ عمر بن الزغب – وهو ثقة صدوق مشهور بالخير والصلاح والعبادة – عن أبيه ، وكان من الرجال الكبار – قال : كنت مجاوراً بالمدينة المنورة وشيخ خدام النبي صلى الله عليه وسلم إذ ذاك شمسُ الدين صواب اللمطي وكان رجلا صالحاً كثير البر بالفقراء والشفقة عليهم وكان بيني وبينه أنس فقال لي يوماً : أخبرك بعجيبة كان لي صاحبٌ يجلس عند الأمير ويأتيني من خبره بما تمسُّ حاجتي إليه فبينما أنا ذات يوم إذ جاءني فقال : أمر عظيم حدث اليوم ، قلت : وما هو ؟ قال : جاء قوم من أهل حلب وبذلوا للأمير بذلا كثيرا وسألوه أن يمكنهم من فتح الحجرة وإخراج أبي بكر وعمر رضي الله عنهما منها فأجابهم على ذلك قال صواب : فاهتممت لذلك هما عظيما ، فلم أنشب أن جاء رسول الأمير يدعوني إليه فأجبته فقال لي : يا صواب : يدق عليك الليلة أقوام المسجد فافتح لهم ومكنهم مما أرادوا ولا تعارضهم ولا تعترض عليهم قال : فقلت له : سمعا وطاعة ، قال : وخرجت ولم أزل يومي أجمع خلف الحجرة أبكي لا ترقأ لي دمعة ولا يشعر أحد ما بي حتى إذا كان الليل وصلينا العشاء الآخرة وخرج الناس من المسجد وغلقنا الأبواب فلم ننشب أن دق الباب الذي حذاء باب الأمير ، أي باب السلام ، فإن الأمير كان سكنه حينئذ بالحصن العتيق .
(1)   هو صواب الشمس الملطي شيخ الخدام ، وذكر السخاوي حكايته والثناء عليه ضمن ترجمة هارون بن الزغب . انظر التحفة اللطيفة ( 2 / 247 ) ترجمة رقم 1829 .  ( هكذا ذكره سخاوي ولعل الصواب اللمطي )
(2)     وفاء الوفا ( 2 / 653 ) والوفا بما يجب لحضرة المصطفى صلى الله عليه وسلم ص 153 .
قال ففتحت الباب فدخل أربعون رجلا أعدُّهم واحداً بعد واحد ومعهم المساحي والمكاتل والشموع وآلات الهدم والحفر . قال : وقصدوا الحجرة الشريفة ، فوالله ما وصلوا المنبر حتى ابتلعتهم الأرض جميعهم بجميع ما كان معهم من الآلات ولم يبق لهم أثر ، قال : فاستبطأ الأمير خبرهم فدعاني وقال : يا صواب ألم يأتك القوم ؟ قلت : بلى ، ولكن اتفق لهم ما هو كيت وكيت ، قال : انظر ما تقول ، قلت : هو ذلك وقم فانظر هل ترى منهم باقية أو لهم أثراً ، فقال : هذا موضع هذا الحديث وإن ظهر منك كان يقطع رأسك ثم خرجت عنه قال المحب الطبري : فلما وعيت هذه الحكاية عن هارون حكيتها لجماعة من الأصحاب فيهم من أثق بحديثه فقال : وأنا كنت حاضرا في بعض الأيام عند الشيخ أبي عبدالله القرطبي بالمدينة والشيخ شمس الدين صواب يحكي له هذه الحكاية سمعتها بأذني من فيه ، انتهى ما ذكره الطبري .
قال السمهودي : وقد ذكر أبو محمد عبدالله بن أبي عبدالله بن أبي محمد المرجاني هذه الواقعة باختصار في تاريخ المدينة له ، وقال : سمعتها من والدي يعني الإمام الجليل أبا عبدالله المرجاني ، قال : وقال لي : سمعتها من والدي أبي محمد المرجاني سمعها من خادم الحجرة ، قال أبو عبدالله المرجاني : ثم سمعتها أنا من خادم الحجرة الشريفة وذكر نحو ما تقدم إلا أنه قال : فدخل خمسة عشر – أو قال عشرون – رجلا بالمساحي فما مشوا غير خطوة أو خطوتين وابتلعتهم الأرض ولم يسم الخادم ، والله أعلم (1) . 
وتجدر الإشارة إلى أن هذه المحاولة كانت في منتصف القرن السابع الهجري ويدل على ذلك قوله بعد ذكره هذه القصة : وأما أهل بغداد فقد تقدم في الباب الاعتذار عنهم بأنهم كانوا مشغولين بما داهمهم من أمر التتار فلذلك لم يرد جوابهم عن هذا الأمر (2).
(1)     وفا الوفا ( 2 / 653 ، 654 ) .
(2)     الوفا لما يجب لحضرة المصطفى صلى الله عليه وسلم ص 153 .
فعلم أن هذه المحاولة كانت عند انشغال العباسيين بأمر التتار ومعلوم أن ذلك كان في منتصف القرن السابع الهجري (1) .
وإنه لمن الغريب حقا أن يأتي ناس علنا بقصد إخراج أجساد الشيخين جيران رسول الله صلى الله عليه وسلم ويلاحظ أن هؤلاء الناس لم يستخدموا في هذه المحاولة أسلوب السرداب كما سبق ضمن بعض المحاولات لأن السور الرصاصي الموجود حول القبور الشريفة حال دونهم فلجأوا إلى مؤامرة علنية لدخول الحجرة الشريفة وحفر القبور المباركة بكل مكر ودهاء وبالتعاون مع أمير المدينة آنذاك وقد باءت هذه المحاولة بالفشل وحفظ الله جيران رسول الله صلى الله عليه وسلم في القبور الشريفة .
دروس وعبر : إن محاولة سرقة جسد النبي صلى الله عليه وسلم وصاحبيه رضي الله عنهما من أخطر حوادث التاريخ الإسلامي لأنها تهدف النيل من أفضل خلق الله محمد صلى الله عليه وسلم وأفضل أصحابه أبي بكر وعمر رضي الله عنهما ، وتدل نتائج هذه المحاولات على أن كيد الكافرين مهما بلغ من الدقة والإتقان والإخفاء والمؤامرة فإنه أوهن عندالله من بيت العنكبوت وإن مصيره الفشل والخسران والندم في داري الدنيا والآخرة .
وقد قال تعالى إشارة إلى محاولة كفار مكة لقتله صلى الله عليه وسلم : (( وإذ يمكر بك الذين كفروا ليثبتوك أو يقتلوك أو يخرجوك ويمكرون ويمكر الله والله خير الماكرين )) (2) . وقال تعالى : (( والله يعصمك من الناس إن الله لا يهدي القوم الكافرين )) (3) .
لا شك أن قدرة الله فوق كل شئ وأن لله جنودا يستخدمهم كيف يشاء ففي المحاولة الأولى لسرقة الجسد الشريف قام أهل المدينة بردع من جاؤوا بهذا الغرض فلاذوا بالفرار ثم أرسل الله ريحا كادت الأرض تزلزل من قوتها .
وفي المحاولة الثانية رأى أهل المدينة أنوارا وسمعوا صائحا يقول : أيها الناس إن نبيكم ينبش ففتشوا الناسَ وقتلوهم .
(1)     البداية والنهاية ( 13 / 213 ) .
(2)     الأنفال ، آية رقم 30 .
(3)     المائدة ، آية رقم 67 .
وفي المحاولة الثالثة قيض الله السلطان نور الدين الزنكي الذي قتل الرجلين اللذين أرادا نقل الجسد الشريف .
وفي المحاولة الرابعة تحرك أناس من مصر وأسروا نصارى الروم القادمين إلى المدينة المنورة بنية خبيثة .
وفي المرحلة الخامسة شاءت قدرة الله خسف كل من جاء لإخراج الشيخين رضي الله عنهما .
إن هذه الآيات الإلهية ظهرت عندما تجرأ البعض بمحاولات لسرقة جسد النبي صلى الله عليه وسلم وصاحبيه رضي الله عنهما . وقد قال عزوجل في كتابه : (( ومكروا ومكر الله والله خير الماكرين )) (1) .
(1)     سورة آل عمران ، آية رقم 54
المرجع من كتاب :  تاريخ المسجد النبوي الشريف
للمؤلف : د / محمد بن إلياس عبد الغني
فضلا وليس أمرا قل ( اللهم أصلح حال أمة محمد ) صلى الله عليه وسلم

حل لمشكلة نغمات الجوال في المساجد

حل لمشكلة نغمات الجوال في المساجد 
الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على المبعوث رحمة للعالمين نبينا محمد عليه أفضل الصلاة وأتم التسليم   وبعد :
فقد أمرنا ديننا الحنيف بإحسان الظن  بالمسلمين فكيف برواد المساجد الحريصين على صلاة الجماعة وفضلها ، ولذلك لا نرى أن هناك من يتعمد إيذاء المصلين بنغمات جواله أثناء الصلاة بل أن الملاحظ هو ارتباك صاحب الجوال نفسه وهو يعمل جاهداً على إقفال الجوال عندما يتلقى اتصلاً في المسجد خاصة إذا كانت النغمة غير لائقة مثل ( الموسيقى ، الأغاني ، … الخ ) فكيف نعالج هذه المشكلة بطريقة ناجحة إن شاء الله  ؟
 الحل الذي توصلنا إليه ونرجوا أن يعم نفعه هو العمل على برمجة نفسك على إتباع الخطوات التالية :
1.يسن عند دخول المسجد أن يقال دعاء دخول المسجد وهو ( أعوذ بالله العظيم وبوجهه الكريم وسلطانه القديم من الشيطان الرجيم ) ( بسم الله والصلاة والسلام على رسول الله اللهم افتح لي أبواب رحمتك ) .
2.   أخرج الجوال واجعله على وضع صامت .
3.يسن عند الخروج من المسجد أن يقال دعاء الخروج من المسجد وهو ( بسم الله والصلاة والسلام على رسول الله اللهم إني أسألك من فضلك )
4.   أخرج الجوال واجعله على وضعه المعتاد .
5.ألزم نفسك بهذا العمل لمدة يوم واحد في جميع الفروض لتتعود  على فعلها تلقائياً في جميع الأيام بإذن الله تعالى
6.   إذا لم تنجح في المرة الأولى فكرر المحاولة مرة أخرى ولا تيأس وأنت مأجور بإذن الله تعالى .
7.    بعد نجاحك بإذن الله تعالى ساهم في نشرها لكي تعم الفائدة

Hotmail: بريد إلكتروني موثوق فيه ويتمتع بحماية قوية من البريد العشوائي. اشترك الآن.

لا تقطع الشجرة !

كانت شجرة تعبد من دون الله فجاء إليها رجل فقال لأقطعن هذه الشجرة ، فجاء ليقطعها غضباً لله فلقيه إبليس في صورة إنسان ، فقال : ما تريد ؟ قال أريد أن أقطع هذه الشجرة التي تعبد من دون الله . قال إذا أنت لم تعبدها فما يضرك من عبدها ؟ قال لأقطعنها . فقال له الشيطان هل لك فيما هو خير لك لا تقطعها و لك ديناران كل يوم إذا أصبحت عند وسادتك . قال فمن أين لي ذلك قال أنا لك ، فرجع فأصبح فوجد دينارين عند وسادته ثم أصبح بعد ذلك فلم يجد شيئاً ، فقام غضباً ليقطعها فتمثل له الشيطان في صورته و قال ما تريد ؟ قال أريد قطع هذه الشجرة التي تعبد من دون الله قال كذبت مالك إلى ذلك من سبيل : فذهب ليقطعها فضرب به الأرض و خنقه حتى كاد يقتله قال أتدري من أنا ؟ أنا الشيطان ، جئت أول مرة غضباً لله فلم يكن لي عليك سبيل . فخدعتك بالدينارين فتركتها فلما جئت غضباً للدينارين سلطت عليك . انتهى .

الشاهد :

نيّتك إما أن ترفعك وإما أن تضعك !

المرجع :

تلبيس إبليس ، الإمام ابن الجوزي رحمه الله ، ط / دار الندوة الجديدة ” ص 37 ” ، الباب الثالث : فصل في التحذير من فتن إبليس ومكايده ، بتصرف .

قطوف من سيرة الإمام الوالد عبد العزيز ابن باز رحمه الله

بسم الله الرحمن الرحيم

الإمام العلامة عبد العزيز بن باز ( 1335 هـ – 1420 هـ )

” إن الصبر ومرور الزمن الطويل ، يصنعان من القوة أكثر مما يصنعه التهيج الغاضب ” – الملك فيصل بن عبد العزيز –

الإمام العلامة الوالد واحد عصره وفريد زمانه سماحة الشيخ عبد العزيز ابن باز – رحمه الله تعالى وأسكنه فسيح جناته – مفتي الديار السعودية وأحد أعلام علماء المسلمين في العصر الحديث ، كان حجةً في رأيه عذباً في حديثه ليّن الجانب في معاملته لا يخشى في الله لومة لائم لا عتاب معاتب . كانت وفاته خسارة حقيقية للمسلمين بصفة عامة وللسعوديين بصفة خاصة الذين اتخذوه أباً ومربياً قبل أن يأخذوه عالماً ومفتياً .

ابن باز :

ولد في ذي الحجة سنة 1335هـ بمدينة الرياض وكان بصيرا ثم أصابه مرض في عينيه عام 1346هـ وضعف بصره ثم فقده عام 1355هـ .

حفظ القرآن الكريم قبل سن البلوغ ثم جد في طلب العلم على العلماء في الرياض ولما برز في العلوم الشرعية واللغة عين في القضاء عام 1357 هـ ولم ينقطع عن طلب العلم حتى وفاته ، حيث لازم البحث والتدريس ليل نهار ولم تشغله المناصب عن ذلك مما جعله يزداد بصيرة ورسوخا في كثير من العلوم وقد عني عناية خاصة بالحديث وعلومه حتى أصبح حكمه على الحديث من حيث الصحة والضعف محل اعتبار وهي درجة قل أن يبلغها أحد خاصة في هذا العصر وظهر أثر ذلك على كتاباته وفتواه حيث كان يتخير من الأقوال ما يسنده الدليل .

اتّصف الشيخ عبد العزيز بلين الجانب وخفض الجناح من ناحية والشجاعة والجرأة والجهر بالحق من ناحية أخرى مع سكينة ووقار وسماحة وسعة صدر وحسن إصغاء .

مشايخه :

تلقى العلم على أيدي كثير من العلماء ، ومن أبرزهم :

1- الشيخ محمد بن عبد اللطيف بن عبد الرحمن بن حسن بن الشيخ محمد بن عبد الوهاب ( قاضي الرياض ) .

2- الشيخ صالح بن عبد العزيز بن عبد الرحمن بن حسن بن الشيخ محمد بن عبد الوهاب

3- الشيخ سعد بن حمد بن عتيق ( قاضي الرياض ) .

4- الشيخ حمد بن فارس ( وكيل بيت المال في الرياض ) .

5- سماحة الشيخ محمد بن إبراهيم بن عبد اللطيف آل الشيخ ( مفتي المملكة العربية السعودية ) وقد لازم حلقاته نحوا من عشر سنوات وتلقى عنه جميع العلوم الشرعية ابتداء من سنة 1347 هـ إلى سنة 1357 هـ .

6- الشيخ سعد وقاص البخاري ( من علماء مكة المكرمة ) أخذ عنه علم التجويد في عام 1355 هـ .

آثاره :

منذ تولى القضاء في مدينة الخرج عام 1357 هـ وهو ملازم للتدريس في حلقات منتظمة حتى أواخر أيامه ، ففي الخرج كانت حلقاته مستمرة أيام الأسبوع عدا يومي الثلاثاء والجمعة ، ولديه طلاب متفرغون لطلب العلم من أبرزهم :

1- الشيخ عبد الله الكنهل .

2- الشيخ راشد بن صالح الخنين .

3- الشيخ عبد الرحمن بن ناصر البراك ز

4- الشيخ عبد اللطيف بن شديد .

5- الشيخ عبد الله بن حسن بن قعود .

6- الشيخ عبد الرحمن بن جلال .

7- الشيخ صالح بن هليل . وغيرهم .

في عام 1372 هـ انتقل إلى الرياض للتدريس في معهد الرياض العلمي ثم في كلية الشريعة بعد إنشائها سنة 1373 هـ في علوم الفقه والحديث والتوحيد إلى أن نقل نائبا لرئيس الجامعة الإسلامية بالمدينة المنورة عام 1381 هـ وقد أسس حلقة التدريس في الجامع الكبير بالرياض منذ انتقل إليها ولازمها كثير من طلبة العلم وأثناء وجوده بالمدينة المنورة من عام 1381 هـ نائبا لرئيس الجامعة ورئيسا لها عام 1390 هـ إلى 1395 هـ عقد حلقة للتدريس في المسجد النبوي .

مؤلفاته :

1- مجموع فتاوى ومقالات متنوعة .

2- الفوائد الجلية في المباحث الفرضية .

3- التحقيق والإيضاح لكثير من مسائل الحج والعمرة والزيارة ( توضيح المناسك ) .

4- التحذير من البدع ويشتمل على أربع مقالات مفيدة : ( حكم الاحتفال بالمولد النبوي وليلة الإسراء والمعراج وليلة النصف من شعبان وتكذيب الرؤيا المزعومة من خادم الحجرة النبوية المسمى : الشيخ أحمد ) .

5- رسالتان موجزتان في الزكاة والصيام .

6- العقيدة الصحيحة وما يضادها .

7- وجوب العمل بسنة الرسول صلى الله عليه وسلم وكفر من أنكرها .

8- الدعوة إلى الله وأخلاق الدعاة .

9- وجوب تحكيم شرع الله ونبذ ما خالفه .

10- حكم السفور والحجاب ونكاح الشغار .

11- نقد القومية العربية .

12- الجواب المفيد في حكم التصوير .

13- الشيخ محمد بن عبد الوهاب ، دعوته وسيرته .

14- ثلاث رسائل في الصلاة :

(أ) كيفية صلاة النبي صلى الله عليه وسلم .

(ب) وجوب أداء الصلاة في جماعة .

(ج) أين يضع المصلي يديه حين الرفع من الركوع ؟

15- حكم الإسلام فيمن طعن في القرآن أو في رسول الله صلى الله عليه وسلم .

16- حاشية مفيدة على فتح الباري .

17- رسالة الأدلة النقلية والحسية على جريان الشمس وسكون الأرض وإمكان الصعود إلى الكواكب .

18- إقامة البراهين على حكم من استغاث بغير الله أو صدق الكهنة والعرافين .

19- الجهاد في سبيل الله .

20- الدروس المهمة لعامة الأمة .

21- فتاوى تتعلق بأحكام الحج والعمرة والزيارة .

22- وجوب لزوم السنة والحذر من البدعة .

23- تحفة الأخيار ببيان جملة نافعة مما ورد في الكتاب والسنة الصحيحة من الأدعية والأذكار .

هذا ما تم طبعه ويوجد له تعليقات على بعض الكتب مثل : بلوغ المرام ، تقريب التهذيب للحافظ ابن حجر ( لم تطبع ) ، التحفة الكريمة في بيان كثير من الأحاديث الموضوعة والسقيمة ، تحفة أهل العلم والإيمان بمختارات من الأحاديث الصحيحة والحسان ، إلى غير ذلك .

وفي الرابع عشر من شهر شوال عام 1395 هجرية أصدر الملك خالد بن عبد العزيز – رحمه الله – أمرا ملكياً بتعيين الشيخ ابن باز رئيساً عاماً لإدارات البحوث العلمية والإفتاء والدعوة والإرشاد بمرتبة وزير ، وفي شهر محرم من عام 1414 هجرية وبمقترح من الشيخ ابن باز صدر أمر ملكي من خادم الحرمين الشريفين الملك فهد بن عبد العزيز بإنشاء وزارة للشئون الإسلامية والدعوة والإرشاد والأوقاف ، ويتضمن الأمر الملكي تعيين ابن باز في منصب المفتي العام للمملكة العربية السعودية ورئيساً لهيئة كبار العلماء التي كانت رئاستها دورية بين أعضائها من الكبار سناً – ورئيساً لإدارة البحوث العلمية والإفتاء بمرتبة وزير حيث ظل يشغل هذا الموقع إلى أن لقي ربه .

وقد عرف ابن باز كمحدث وعَلَم من أعلام الإسلام في هذا الزمان فقد برز في علوم الحديث بعد أن قرأ كتب السنة ووعاها وتخصص إلى جانب معرفة فقهها في التمييز بين صحيحها وضعيفها حتى أصبحت أحكامه على الأحاديث من حيث الصحة والضعف مرجعاً للمستفيدين وباتت فتاواه ومحاضراته ودروسه المكتوبة والحية وعبر برنامجه الشهير ( نور على الدرب ) الذي تبثه إذاعة القرآن الكريم من المملكة العربية السعودية معينا لا ينضب للباحثين عن الهداية والراغبين في الاستزادة من علوم الشرع والدين في أنحاء المعمورة مما عزز من مكانة ابن باز كمحدث ، كما أقر ابن باز – رحمه الله – منهجاً لم يكن معروفاً في عالمنا الإسلامي في عصرنا هذا وهو الإفتاء بالاستناد إلى القرآن الكريم وصحيح السنة النبوية حيث إن معظم المفتين يعتمدون في فتاواهم على ما ذكره علماء المذاهب الإسلامية في السؤال موضوع الفتوى .

كما تقلد الإمام – رحمه الله – مناصب أخرى ، منها أنه كان :

– رئيساً وعضواً في المجلس التأسيسي لرابطة العالم الإسلامي .

– رئيساً للمجلس الأعلى العالمي للمساجد .

– رئيساً للمجمع الفقهي الإسلامي بمكة المكرمة التابع لرابطة العالم الإسلامي .

– عضواً في المجلس الأعلى للجامعة الإسلامية في المدينة المنورة .

– عضواً في الهيئة العليا للدعوة الإسلامية .

حاز الإمام – رحمه الله – جائزة الملك فيصل العالمية لخدمة الإسلام عام 1402 هـ وتبرع بقيمتها إلى دار الحديث ؛ دعماً لطلاب الحديث ورعاية لهم وهذا مما يدلل على اهتمام الإمام البالغ بالحديث النبوي الشريف .

قال عنه الشيخ الشهيد أحمد ياسين – رحمه الله – ( مؤسس وزعيم حركة الجهاد الإسلامي ” حماس ” في فلسطين ) :

” كان ابن باز علامة ومرجعاً إسلامياً على النطاق العالمي ، له باع طويل في الدفاع عن قضايا الإسلام والمسلمين وهو على قدر كبير من العلم والتمسك بطريق السلف الصالح السائرين على منهج الكتاب والسنة في الدعوة الإسلامية .

ولن أنسى موقفه حين جاءه بعض الناس يطلبون رأيه بالسلام مع إسرائيل فأخرج لهؤلاء بياناً لحركة حماس جاء فيه : إن أرض فلسطين كلها أرض وقف إسلامي لا يمكن التفريط بها أو التنازل عنها . وهو عالم المرحلة الذي ترك بصمات واضحة في العصر الحاضر ” .

وقال عنه الشيخ د . عايض بن عبد الله القرني :

إن قام سوق العلم فهو كمالك * أو مد باع الزهد فالشيباني
أو غاص في التفسير قلت مجاهد * والفقه والتعليم كالنعمان
وإذا تزاحمت الوفود فحاتم * وكأحنف في الحلم والغفران

ويقول د . عبد الرحمن العشماوي :

هو قلعة العلماء قد بنيت على * ثقة بعون الخالق المنان
وأمامها هزمت دعاوى ملحد * وارتد موج البغي والبهتان
وتطايرت شُبه العقول لأنها * وجدت بناءً ثابت الأركان
هو قلعة ظلت تحاط بروضة * خضراء من ذكر ومن قرآن

وفاته :

انتقل إلى رحمة الله تعالى يوم الخميس 27 محرم 1420 هـ عن عمر يناهز التسعين عاماً ، وصُلي عليه بالحرم المكي الشريف يوم الجمعة 28 محرم كما صلي عليه صلاة الغائب في جميع مساجد المملكة والعديد من المساجد في الدول العربية والإسلامية وقد تم دفنه في مقبرة العدل بمكة المكرمة .

رحم الله شيخنا الجليل وأسكنه فسيح جناته مع النبيين والصديقين والشهداء وحسن أولئك رفيقاً .

المرجع :

أيتام غيروا مجرى التاريخ  ، عبد الله صالح الجمعة حفظه الله ، ط / العبيكان ” 81 – 89 ” ، فصل : الإمام العلامة عبد العزيز بن باز رحمه الله ، بتصرف.

 

 

ما ورد في فضل شهر الله المحرم

بسم الله الرحمن الرحيم

ما ورد في فضل شهر الله المحرم

وعشره الأول

أخرج مسلم من حديث أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : (( أفضل الصيام بعد شهر رمضان شهر الله الذي تدعونه المحرم وأفضل الصلاة بعد الفريضة قيام الليل )) . (1)

(1) أخرجه مسلم ( 1163 ) من حديث أبي هريرة .

خلاف حول أي الشهور أفضل :

وقد اختلف العلماء في أي الأشهر الحرم أفضل ؟ فقال الحسن وغيره : أفضلها شهر الله المحرم ورجحه طائفة من المتأخرين وروى وهب بن جرير عن قرة بن خالد عن الحسن قال : إن الله افتتح السنة بشهر حرام وختمها بشهر حرام فليس شهر في السنة بعد شهر رمضان أعظم عند الله من المحرم وكان يسمى (( شهر الله الأصم )) من شدة تحريمه وقد روى عنه مرفوعا ومرسلا قال آدم بن أبي إياس : حدثنا أبو هلال الراسبي عن الحسن قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم (( أفضل الصلاة بعد المكتوبة الصلاة في جوف الليل الأوسط وأفضل الشهور بعد شهر رمضان المحرم وهو شهر الله الأصم )) .

وأخرج النسائي من حديث أبي ذر قال : سألت النبي صلى الله عليه وسلم أي الليل خير وأي الأشهر أفضل ؟ فقال : (( خير الليل جوفه وأفضل الأشهر شهر الله الذي تدعونه المحرم )) وإطلاقه في هذا الحديث أفضل الأشهر محمول على ما بعد رمضان كما في رواية الحسن المرسلة . وقال سعيد بن جبير وغيره (( أفضل الأشهر الحرم ذو القعدة )) أو ذو الحجة بل قد قيل (( إنه أفضل الأشهر مطلقاً )) وسنذكره في موضعه إن شاء الله تعالى .

وزعم بعض الشافعية أن أفضل الأشهر الحرم رجب وهو قول مردود وأفضل شهر الله المحرم عشره الأول وقد زعم يمان بن رآب أنه العشر الذي أقسم الله به في كتابه ولكن الصحيح أن العشر المقسم به عشر ذي الحجة كما سيأتي في موضعه إن شاء الله تعالى .

(1) أبو عثمان النهدي : هو عبد الرحمن بن ملَّ ممن أدرك الجاهلية لكنه أسلم ولم ير النبي صلى الله عليه وسلم فهو في عداد التابعين .

وقد سمى النبي صلى الله عليه وسلم المحرم شهر الله وإضافته إلى الله تدل على شرفه وفضله فإن الله تعالى لا يضيف إليه إلا خواصَّ مخلوقاته كما نسب محمدا وإبراهيم وإسحاق ويعقوب وغيرهم من الأنبياء إلى عبوديته .

(1)   عبد الله بن المبارك : إمام من أئمة المسلمين جمع بين العلم والزهد والجهاد في سبيل الله توفي بالعراق سنة 182 هـ ، والذي قاله يشير إلى أن الأعمال بخواتيمها كما صح به الحديث .

شــــــعر :

شهرُ الحرام مبارك ميمون

والصوم فيه مضاعفٌ مسنونُ

وثواب صائمه لوجه إلهــــه

في الخلد عنه مليكـه مخـزونُ

وممن سرد الصوم عمر وأبو طلحة وعائشة وغيرهم من الصحابة وخلق كثير من السلف وممن صام الأشهر الحرم كلها ابن عمر والحسن البصري وغيرهما ، قال بعضهم : إنما هو غذاء وعشاء فإن أخرت غداءك إلى عشائك أمسيت وقد كتبت في ديوان الصائمين .

في التوراة : طوبى لمن جوع نفسه ليوم الشبع الأكبر ، طوبى لمن ظمأ نفسه ليوم الري الأكبر ، طوبى لمن ترك شهوة حاضرة لموعد غُيِّبَ لم يره ، طوبى لمن ترك طعاما ينفد في دار تنفد لدار (( أُكُلُهَا دَائِمٌ وَظِلُّهَا )) .

حكمة إخفاء الصوم :

ولما كان الصيام سراً بين العبد وبين ربه اجتهد المخلصون في إخفائه بكل طريق حتى لا يطلع عليه أحد ، قال بعض الصالحين : بلغنا عن عيسى ابن مريم عليه السلام أنه قال : إذا كان يوم صوم أحدكم فليدهن لحيته ويمسح شفتيه من دهنه حتى ينظر إليه الناظر فيظن أنه ليس بصائم .

وقال أبو التياح : أدركت أبي وشيخةَ الحي إذا صام أحدهم ادَّهن وليس صالح ثيابه .

صام بعض السلف أربعين سنة لا يعلم به أحد وكان له دكان فكان كل يوم يأخذ من بيته رغيفين ويخرج إلى دكانه فيتصدق بهما في طريقه فيظن أهله أنه يأكلهما في السوق ويظن أهل السوق أنه قد أكل في بيته قبل أن يجئ .

اشتهر بعض الصالحين بكثرة الصيام فكان يقوم يوم الجمعة في مسجد الجامع فيأخذ إبريق الماء فيضع بلبلته في فيه ويمتصها والناس ينظرون إليه لا يدخل حلقه منه شيئ لينفي عن نفسه ما اشتهر به من الصوم .

كم يستر الصادقون أحوالهم وريح الصدق ينم عليهم ، ما أسر أحد سريرة إلا ألبسه الله رداءها علانية .

الفصل الثاني

في فضل قيام الليل

وقد دل حديث أبي هريرة رضي الله عنه هذا على أنه أفضل الصلاة بعد المكتوبة ، وهل هو أفضل من السنن الراتبة ؟ فيه خلاف سبق ذكره .

وقال ابن مسعود رضي الله عنه (( فضل صلاة الليل على صلاة النهار كفضل صدقة السر على صدقة العلانية )) وأخرجه الطبراني عنه مرفوعا والمحفوظ وقفه .

وقال عمرو بن العاص : ركعة بالليل خير من عشر بالنهار ، أخرجه ابن أبي الدنيا ، وإنما فضلت صلاة الليل على صلاة النهار لأنها أبلغ في الأسرار وأقرب إلى الإخلاص .

كان السلف يجتهدون على إخفاء تهجدهم .

قال الحسن : كان الرجل يكون عنده زواره فيقوم من الليل يصلي لا يعلم به زواره .

كما قال تعالى : (( إِنَّ نَاشِئَةَ اللَّيلِ هِيَ أَشَدُّ وَطْئًا وَأَقْوَمُ قِيلاً )) ولهذا المعنى أمر بترتيل القرآن في قيام الليل ترتيلا ، ولهذا كانت صلاة الليل تنهاه عن الإثم كما يأتي في حديث أخرجه الترمذي .

وفي المسند عن أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قيل له : إن فلانا يصلي من الليل فإذا أصبح سرق ، فقال : سينهاه ما تقول .

فائدتان عظيمتان في قيام الليل :

فأشارت عائشة رضي الله عنها إلى قيام الليل فيه ( فائدتان عظيمتان ) .

1-   الاقتداء بسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم والتأسي به وقد قال الله عز وجل : (( لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ )) .

2-   وتكفير الذنوب والخطايا فإن بني آدم يخطئون بالليل والنهار فيحتاجون إلى الاستكثار من مكفرات الخطايا .

حديث المنام ودلالته على فضل قيام الليل :

وفي حديث المنام المشهور الذي خرجه الإمام أحمد والترمذي (( أن الملأ الأعلى يختصمون في الدرجات والكفارات وفيه أن الدرجات إطعام الطعام وإفشاء السلام والصلاة بالليل والناس نيام )) .

أبيات من الشعر :

يـــا رجــــالَ الـليل جِـدُّوا            رُبَّ داع لا يــــــُرَدُّ

مـــا يــقوم الـلـــــــــيل إلا            من له عَـزْم وجِــــدُّ

ليــس شــئٌ كـصــــــــلاة            الـلـــيل لِلقــبر يُعـــد

صلى كثير من السلف صلاة الصبح بوضوء العشاء عشرين سنة ومنهم من صلى كذلك أربعين سنة ، قال بعضهم : منذ أربعين سنة ما أحزنني إلا طلوع الفجر .

قال ثابت : كابدت قيام الليل عشرين سنة وتنعمت به عشرين سنة أخرى .

أفضل قيام الليل وسطه ، قال النبي صلى الله عليه وسلم : (( أفضل القيام قيام داود كان ينام نصف الليل ويقوم ثلثه وينام سدسه )) .

يا نفس قومي فقد نام الـــورى

إن تصنعي الخير فذو العرش يرى

وأنت يا عين دعى عنك الكرى (3)

عند الصباح يحمد الــــــــقوم السرى

قيل لابن مسعود رضي الله عنه : ما نستطيع قيام الليل ، قال : أقعدتكم ذنوبكم ، وقيل للحسن : قد أعجزنا قيام الليل ، قال : قيدتكم خطاياكم ، وقال الفضيل بن عياض : إذا لم تقدر على قيام الليل وصيام النهار فاعلم أنك محروم كبلتك خطيئتك ، قال الحسن : إن العبد ليذنب الذنب فيحرم به قيام الليل .

(2)   المعرسون : يقال : عرس المسافر إذا نزل عن دابته في وجه السحر للراحة .

(3)   الكرى : النوم .

(4)   ثياب رثة : أي بالية متهالكة .

صلاتُك نورّ والعــبادُ رقــود

ونومك ضِدٌّ للصلاة عنيـــدُ

كان بعض العلماء يقوم السحر فنام عن ذلك ليالي فرأى في منامه رجلين وقفا عليه وقال أحدهما للآخر : هذا كان من المستغفرين بالأسحار فترك ذلك .

وكان آخر يقوم الليل فنام ليلة فأتاه آت في منامه فقال : ما لك قصرت في الخطبة ؟

أما علمت أن المتهجد إذا قام إلى تهجده قالت الملائكة قام الخاطب إلى خطبته ؟ ورأى بعضهم حوراء في نومه فقال لها : زوجيني نفسك ، قالت : اخطبني إلى ربي وامهرني ، قال : ما مهرك ؟ قالت : طول التهجد .

نام ليلة أبو سليمان فأيقظته حوراء وقالت : يا أبا سليمان تنام وأنا أرَبَّى لك في الخدور من خمسمائة عام ؟ .

يا راقـــد الـــليل كم ترقـــــد

قـــم يا حبيبي قــد دنا الــموعـــــدُ

وخــذ من الــليل وأوقــاتـــه

وِرْدا إذا مـــــا هَــجَـــــع الرقّـــــَد

من نام حتى ينقضــي ليلـــــهُ

لم يبلــــغ المـــــــنزل أو يجهـــــدُ

قل لأولـى الألــباب أهـل التقـى

قـــنطـــرة الـــعرض لكم موعــــدُ

في يوم عاشوراء :

في الصحيحين عن ابن عباس رضي الله عنهما أنه سئل عن يوم عاشوراء فقال : ما رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم صام يوما يتحرى فضله على الأيام إلا هذا اليوم يعني يوم عاشوراء وهذا الشهر يعني رمضان .

يوم عاشوراء له فضيلة عظيمة وحرمة قديمة وصومه لفضله كان معروفا بين الأنبياء عليهم السلام وقد صامه نوح وموسى عليهما السلام كما سنذكره إن شاء الله تعالى ، وروى إبراهيم الهجري عن أبي عياض عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال (( يوم عاشوراء كانت تصومه الأنبياء فصوموه أنتم )) خرجه بقى بن مخلد في مسنده .

وقد كان أهل الكتاب يصومونه وكذلك قريش في الجاهلية كانت تصومه ، قال دلهم ابن صالح : قلت لعكرمة : عاشوراء ما أمره ؟ قال : أذنبت قريش في الجاهلية ذنبا فتعاظم في صدورهم فسألوا : ما توبتهم ؟ قيل : صوم عاشوراء يوم العاشر من المحرم .

فعل الرافضة فيه :

وأما اتخاذه مأتما كما تفعله الرافضة لأجل قتل الحسين بن علي رضي الله عنهما ضلَّ سعيه في الحياة الدنيا وهو يحسب أنه يحسن صنعا ولم يأمر الله ولا رسوله باتخاذ أيام مصائب الأنبياء وموتهم مأتماً ، فكيف بمن دونهم ؟ .

ومن فضائل يوم عاشوراء أنه يوم تاب الله فيه على قوم من فضائل يوم عاشوراء .

وقد سبق حديث على الذي خرجه الترمذي أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لرجل : (( إن كنت صائما شهرا بعد رمضان فصم المحرم فإن فيه يوما تاب الله على قوم ويتوب فيه على آخرين )) وقد صح من حديث أبي إسحاق عن الأسود بن يزيد قال : سألت عبيد بن عمير عن صيام يوم عاشوراء
فقال : (( المحرم شهر الله الأصم ، فيه يوم تيب فيه على آدم فإن استطعت أن لا يمر بك إلا صمته )) كذا رُوِيَ عن شعبة عن أبي إسحاق .

سيد الاستغفار :

وفي حديث شداد بن أوس عن النبي صلى الله عليه وسلم : (( سيد الاستغفار أن يقول العبد : اللهم أنت ربي لا إله إلا أنت خلقتني وأنا عبدك وأنا على عهدك ووعدك ما استطعت أعوذ بك من شر ما صنعت أبوء لك بذنبي فاغفر لي إنه لا يغفر الذنوب إلا أنت )) الاعتراف يمحو الاقتراف كما قيل :

فإن اعتراف المرء يمحو اقترافه

كما أن إنكار الذنوب ذنوب

حسد إبليس آدم :

لما ظهرت فضائل آدم عليه السلام على الخلائق بسجود الملائكة له وبتعليمه أسماء كل شئ وإخباره الملائكة بها وهم يستمعون له كاستماع المتعلم من معلمه حتى أقروا بالعجز عن علمه وأقروا له بالفضل وأُسكن هو وزوجته الجنة ظهر الحسد من إبليس وسعى في الأذى ، وما زالت الفضائل إذا ظهرت تُحسدَ .

شعـــــــر :

لا مات حسادك بل خُلِّــــدوا

حتى يروا منك الذي يُكْمِد

لا زالت محسوداً على نعمةٍ

فإنما الكامل من يُحْسَـــــــدُ

فما زال يحتال على آدم حتى تسبب في إخراجه من الجنة وما فهم الأبله أن آدم إذا خرج منها كملت فضائله ثم عاد إلى الجنة على أكمل من حاله الأول ، إنما أهلك إبليس العُجْبُ بنفسه ولذلك قال (( أَنَا خَيْرٌ مِّنْهُ )) وإنما كملت فضائل آدم باعترافه على نفسه (( قَالا رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنفُسَنَا )) .

كان إبليس كلما أوقد نار الحسد لآدم فاح بها ريح طيب آدم واحتراق إبليس :

شعــــــر :

وإذا أراد الله نشـــر فضــيلـــة

طُويَت أتاح لها لسانَ حســــــود

لولا اشتعال النار فيما جاورت

ما كان يعرف طيبُ عَرْفِ العود

قال بعض السلف : آدم أخرج من الجنة بذنب واحد وأنتم تعملون الذنوب وتكثرون منها وتريدون أن تدخلوا بها الجنة .

(1)   سبانا : أسرنا .

(2)   الحديث في الصحيحين وفي غيرهما ، وانظر صحيح مسلم ( 2652 ) .

(3)   أخرجه مسلم ( 2664 ) وتمامه : (( المؤمن القوي خير وأحب إلى الله من المؤمن الضعيف ، وفي كلًّ خير ، احرص على ما ينفعك واستعن بالله ولا تعجز وإن أصابك شئ فلا تقل : لو أن فعلت كذا وكذا ولكن قل : قدر الله وما شاء فعل فإن لو تفتح عمل الشيطان )) .

من فضلك قل ( اللهم أنر على أهل القبور قبورهم )

المرجع :

لطائف المعارف ، الإمام ابن رجب الحنبلي رحمه الله ، ط / دار الحديث ” ص 45 – 86 ” ، فصل : شهر الله المحرم ، بتصرف.