37. قطوف من السيرة المحمدية ” بناء المسجد النبوي “

                  بسم الله الرحمن الرحيم

قطوف من السيرة المحمدية

على صاحبها أفضل الصلاة وأزكى التسليم

 ” العناوين “

الحالة الراهنة في المدينة عند الهجرة ، بناء مجتمع جديد ، بناء المسجد النبوي ، أهمية المسجد في الإسلام ، وظيفة الدولة في الإسلام ، معاهدته صلى الله عليه وسلم مع اليهود ،  فائدة من المعاهدة مع اليهود ، المراجع .

” التفاصيل “

الحالة الراهنة في المدينة عند الهجرة :

لم يكن معنى الهجرة هو التخلص من الفتنة والاستهزاء فحسب ، بل كانت الهجرة مع هذا تعاونا على إقامة مجتمع جديد في بلد آمن . ولذلك أصبح فرضا على كل مسلم قادر أن يسهم في بناء هذا الوطن الجديد ، وأن يبذل جهده في تحصينه ورفعة شأنه . ولا شك أن رسول الله صلى الله عليه وسلم هو الإمام والقائد والهادي في بناء هذا المجتمع ، وكانت إليه أزمة الأمور بلا نزاع . والأقوام التي كان يواجهها رسول الله صلى الله عليه وسلم في المدينة كانت على ثلاثة أصناف وهي :

  1. أصحابه الصفوة الكرام البررة رضي الله عنهم .
  2. المشركون الذين لم يؤمنوا بعد ، وهم من صميم قبائل المدينة .
  3. اليهود ” بنو قينقاع ، بنو النضير ، بنو قريظة ” .

بناء مجتمع جديد :

قد أسلفنا أن نزول رسول الله صلى الله عليه وسلم بالمدينة في بني النجار كان يوم الجمعة ( 12 ربيع الأول سنة 1 هـ الموافق 27 سبتمبر سنة 622 م ) ، وأنه نزل في أرض أمام دار أبي أيوب ، وقال : ” ههنا المنزل إن شاء الله ، ثم انتقل إلى بيت أبي أيوب ” .

بناء المسجد النبوي :

أول خطوة خطاها رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد ذلك هو إقامة المسجد النبوي . ففي المكان الذي بركت فيه ناقته أمر ببناء هذا المسجد ، واشتراه من غلامين يتيمين كانا يملكانه ، وساهم في بنائه بنفسه ، فكان ينقل اللبن والحجارة ويقول :

اللهم لا عيش إلا عيش الآخرة        فاغفر للأنصار والمهاجرة .

أهمية المسجد في الإٍسلام :

من وقائع الهجرة إلى المدينة تبين لنا أنه صلى الله عليه وسلم ما أقام بمكان إلا كان أول ما يفعله بناء مسجد يجتمع فيه المؤمنون ، فقد أقام مسجد قباء حين أقام فيها أربعة أيام ، وبنى مسجدا في منتصف الطريق بين قباء والمدينة لما أدركته صلاة الجمعة في بني سالم بن عوف في بطن الوادي ” وادي رانوناء ” . فلما أن وصل إلى المدينة ، كان أول عمل عمله بناء مسجد فيها . وهذا يدلنا على أهمية المسجد في الإٍسلام ، وعبادات الإسلام كلها تطهير للنفس ، وتزكية للأخلاق ، وتقوية لأواصر التعاون بين المسلمين ، وصلاة الجماعة والجمعة والعيدين ، مظهر قوي من مظاهر اجتماع المسلمين ، ووحدة كلمتهم ، وأهدافهم ، وتعاونهم على البر والتقوى ، لا جرم أن كان للمسجد رسالة اجتماعية وروحية عظيمة الشأن في حياة المسلمين ، فهو الذي يوحد صفوفهم ، ويهذب نفوسهم ، ويوقظ قلوبهم وعقولهم ، ويحل مشاكلهم ، وتظهر فيه قوتهم وتماسكهم .

وظيفة الدولة في الإسلام :

حدد ابن تيمية أحد رواد الفكر الإسلامي في الإدارة أن وظيفة الدولة ومسؤولياتها هي أن  تقوم بعمل كل ما يؤدي إلى جلب المصالح ودفع المضار وإلى إقامة القسط في حقوق الله وحقوق العباد ، ولذا فإنها تمارس عددا من الأعمال بوساطة ولاة الأمور سواء فيما يتعلق منها بالنواحي القضائية أو الدفاعية أو المعيشية . ويمكن تحديد الوظائف الرئيسية للدولة في الإسلام في الوظائف التالية :

  1. عبادة الله في الأرض .
  2. توزيع الموارد المالية بالعدل .
  3. إقامة العدل .
  4. تنظيم الحياة الاقتصادية والاجتماعية .

معاهدته عليه الصلاة والسلام مع اليهود :

بعد أن هاجر النبي صلى الله عليه وسلم إلى المدينة ، ورسخ قواعد المجتمع الإسلامي الجديد ، بإقامة الوحدة العقائدية والسياسية والنظامية بين المسلمين ، فقد رأى عليه الصلاة والسلام أن يقوم بتنظيم علاقاته بغير المسلمين ، وكان همه في ذلك هو توفير الأمن والسلام والسعادة والخير للبشرية جمعاء ، مع تنظيم المنطقة  في وفاق واحد ، فسن في ذلك قوانين السماح والتجاوز التي لم تعهد في عالم مليء بالتعصب والتغالي . وأقرب من كان يجاور المدينة من غير المسلمين هم اليهود – كما أسلفنا – وهم وإن كانوا يبطنون العداوة للمسلمين ، لكن لم يكونوا أظهروا أية مقاومة أو خصومة بعد ، فعقد معهم رسول الله صلى الله عليه وسلم معاهدة ترك لهم فيها مطلق الحرية في الدين والمال ، ولم يتجه إلى سياسة الإبعاد أو المصادرة والخصام .

فائدة من المعاهدة مع اليهود :

مما سبق يتضح لنا أننا اليوم في حاجة ماسة إلى هذه الحنكة الإدارية والتنظيم السليم والذي يجعل الجميع أن ينظر إلى هذا الدين أنه دين قويم يدعوا الناس إلى أخلاقه الفاضلة .

–        انتهى –

                                   فاللهم صل وسلم على نبينا وحبيبنا محمد ” عليه الصلاة والسلام “

المراجع :

–        من كتاب السيرة النبوية دروس وعبر للمؤلف الدكتور / مصطفى السباعي رحمه الله – الفصل الرابع : مبحث : الدروس والعظات  ( ص 84 – 86 ) . طبعة : دار الوراق .

–        من كتاب الرحيق المختوم للمؤلف الشيخ / صفي الدين المباركفوري رحمه الله – فصل : المرحلة الأولى الحالة الراهنة في المدينة عند الهجرة ( ص 171 – 186 ) . طبعة : دار ابن حزم .

–        من كتاب الإدارة في الإسلام للمؤلف الدكتور / أحمد إبراهيم أبو سن – الفصل الثاني : وظيفة الدولة في الإسلام ، ( ص 17 – 22 ) . طبعة : دار الخريجي .

36. قطوف من السيرة المحمدية ” الدخول في المدينة “

بسم الله الرحمن الرحيم

قطوف من السيرة المحمدية

على صاحبها أفضل الصلاة وأزكى التسليم

 ” العناوين “

مكة المكرمة والمدينة المنورة ، ذكر بعض أسماء المدينة النبوية ، ذكر بعض خصائص المدينة النبوية ، الدخول في المدينة ، الحياة في المدينة ، المراجع .

” التفاصيل “

مكة المكرمة والمدينة المنورة :

شاع في العصور المتأخرة قولهم ( مكة المكرمة ) و ( المدينة المنورة ) وهما أي ” المكرمة و المنورة ” وصفان مناسبان ، لكن لا يعرف ذلك عند المتقدمين من المؤرخين وغيرهم – وهو على ما يظهر – من محدثات الأعاجم الترك إبان نفوذهم على الحرمين .

ذكر بعض أسماء المدينة النبوية :

فمن أسمائها : طيبة ، وطابة الطيبة ، ودار الهجرة ، المدينة النبوية المنورة ، كما قال حسان بن ثابت رضي الله عنه : بطيبة رسم للرسول ومعهد   منير وقد تعفو الرسوم وتهمد .

ذكر بعض خصائص المدينة النبوية :

  1. تسميتها ( حرما ) ؛ مثل مكة – حرسهما الله تعالى – .
  2. تحريمها كان على لسان رسول الله صلى الله عليه وسلم .
  3. المدينة حرم آمن ؛ مثل مكة .
  4. قد خصها النبي صلى الله عليه وسلم بأدعية عامة ، وخاصة .
  5. إخبار النبي صلى الله عليه وسلم أن الأيمان يأرز وينحاز إلى المدينة – زادها الله شرفا .

الدخول في المدينة :

وبعد الجمعة دخل النبي صلى الله عليه وسلم المدينة ، ومن ذلك اليوم سميت بلدة  يثرب بمدينة الرسول صلى الله عليه وسلم ، ويعبر عنها بالمدينة مختصراً – وكان يوماً تاريخياً أغر ، فقد كانت البيوت والسكك ترتج بأصوات التحميد والتقديس ، وكانت بنات الأنصار تتغنى بهذه الأبيات فرحاً وسروراً :

أشـــــرق البدر علينا            من ثنيــــــات الوداع

وجب الشكر علينا              ما دعـــا للـــــــه داع

أيهــــــا المبعوث فينا            جئت بالأمر المطاع

والأنصار إن لم يكونوا أصحاب ثروات طائلة ، إلا أن كل واحد منهم كان يتمنى أن ينزل الرسول صلى الله عليه وسلم عليه ، فكان لا يمر بدار من دور الأنصار إلا أخذوا خطام راحلته : هلم إلى العدد والعدة والسلاح والمنعة ، فكان يقول لهم : خلوا سبيلها فإنها مأمورة ، فلم تزل سائرة به حتى وصلت إلى موضع المسجد النبوي اليوم فبركت ، ولم  ينزل عنها حتى نهضت وسارت قليلاً ، ثم التفتت ورجعت فبركت في موضعها الأول ، فنزل عنها ، وذلك في بني النجار – أخواله – صلى الله عليه وسلم ، وكان من توفيق الله لها ، فإنه أحب أن ينزل على أخواله يكرمهم بذلك ، فجعل الناس يكلمون رسول الله صلى الله عليه وسلم ، في النزول عليهم ، وبادر أبو أيوب الأنصاري إلى رحله ، فأدخله بيته ، فجعل رسول الله صلى الله عليه وسلام  يقول : المرء مع رحله ، وجاء أسعد بن زرارة فأخذ بزمام راحلته وكانت عنده .

وفي رواية أنس عند البخاري ، قال نبي الله صلى الله عليه وسلم : ( أي بيوت أهلنا أقرب . فقال أبو أيوب : أنا يا رسول الله ، هذه داري ، وهذا بابي ، قال : ( فانطلق فهيئ  لنا مقيلاً ، قال : قوما على بركة الله ) .

وبعد أيام وصلت إليه زوجته سودة ، وبنتاه فاطمة وأم كلثوم ، وأسامة بن زيد ، وأم أيمن ، وخرج معهم عبدالله بن أبي بكر بعيال أبي بكر ومنهم عائشة ، وبقيت زينب عند أبي العاص ، لم يمكنها من الخروج حتى هاجرت بعد بدر .

قالت عائشة : لما قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم المدينة وعك أبو بكر وبلال ، فدخلت عليهما فقلت : يا أبت كيف تجدك ، ويا بلال كيف تجدك ؟ قالت : فكان أبو بكر إذا أخذته الحمى يقول :

ألا ليت شعري هل أبيتن ليلة                 بواد وحولي إذخر وجليل

وهل أردن يوماً مياه مجنة                   وهل يثبدون لي شامة وطفيل

قالت عائشة : فجئت رسول الله صلى الله عليه وسلم فأخبرته ، فقال : اللهم حبب الينا المدينة كحبنا مكة أو أشد حباً ، وصححها ، وبارك في صاعها ومدها ، وأنقل حماها فأجعلها بالجحفة .

الحياة في المدينة :

يمكن تقسيم العهد المدني الى ثلاث مراحل :

1-  مرحلة أثيرت فيها القلاقل والفتن ، وأقيمت فيها العراقيل من الداخل وزحف فيها الأعداء إلى المدينة لاستئصال خضرائها من الخارج ، وهذه المرحلة تنتهي إلى صلح الحديبية في ذي القعدة سنة 6 من الهجرة .

2-  مرحلة الهدنة على الزعامة الوثنية ، وتنتهي بفتح مكة ، في رمضان سنة ثمان من الهجرة ، وهي مرحلة دعوة الملوك إلى الإسلام .

3-  مرحلة دخول الناس في دين الله أفواجا ، وهي مرحلة توافد القبائل والأقوام إلى المدينة ، وهذه المرحلة تمتد إلى انتهاء حياة الرسول صلى الله عليه وسلم في ربيع الأول سنة 11 من الهجرة .

–        انتهى –

                                   فاللهم صل وسلم على نبينا وحبيبنا محمد ” عليه الصلاة والسلام “

المراجع :

–        من كتاب السيرة النبوية دروس وعبر للمؤلف الدكتور / مصطفى السباعي رحمه الله – الفصل الرابع : مبحث : الدروس والعظات  ( ص 84 – 86 ) . طبعة : دار الوراق .

–        من كتاب الرحيق المختوم للمؤلف الشيخ / صفي الدين المباركفوري رحمه الله – فصل : الدخول في المدينة ( ص 167 – 168 ) . طبعة : دار ابن حزم .

–        من كتاب خصائص جزيرة العرب للمؤلف الشيخ / بكر بن عبد الله أبو زيد رحمه الله – فصل خصائص جزيرة العرب ( ص 39 ) ؛ وخصائص مدينة النبي صلى الله عليه وسلم ( 49 – 51 ) طبعة : دار عالم الفوائد .

35. قطوف من السيرة المحمدية ” نبذة عن قرية قباء “

        بسم الله الرحمن الرحيم

قطوف من السيرة المحمدية

على صاحبها أفضل الصلاة وأزكى التسليم

 ” العناوين “

نبذة عن قرية قباء ، نبذة عن مسجد قباء ، موقعه وسبب تسميته ، أول مولود ولد في الإسلام بعد الهجرة ، نزوله عليه الصلاة والسلام بقباء ، المراجع .

” التفاصيل “

نبذة عن قرية قباء :

يقع المسجد بقرية قباء في الجنوب الغربي للمدينة ، ويقال له مسجد قباء لوقوعه في موضع قباء . قال الفيروزآبادي : قباء : بالضم والقصر وقد يمد وهي مساكن بني عمرو بن عوف من الأنصار ، وهي في الأصل بئر هناك عرفت القرية بها  ، ويلاحظ أن قبا كانت في الماضي قرية لكنها الآن أصبحت حيا من أحياء المدينة المنورة .

نبذة عن مسجد قباء :

إن لمسجد قباء أهمية تاريخية في الإسلام لأسباب عدة منها : أنه أول مسجد أسسه رسول الله صلى الله عليه وسلم في المدينة المنورة عندما وصل إليها مهاجرا وصلى فيه بأصحابه جماعة مجاهرا ، وأنه مذكور في القرآن الكريم ، وأنه أول مسجد أسس على التقوى ، وأن الصلاة فيه كعمرة ، وأنه نقطة بداية للتاريخ الهجري .

موقعه وسبب تسميته :

يقع المسجد بقرية قباء في الجنوب الغربي للمدينة ، ويقال له مسجد قباء لوقوعه في موضع قباء . قال الفيروزآبادي : قباء : بالضم والقصر وقد يمد وهي مساكن بني عمرو بن عوف من الأنصار ، وهي في الأصل بئر هناك عرفت القرية بها  ، ويلاحظ أن قبا كانت في الماضي قرية لكنها الآن أصبحت حيا من أحياء المدينة المنورة .

أول مولود يولد في الإٍسلام بعد الهجرة :

روى أبو أسامة عن هشام بن عروة عن أسماء ” بنت أبي بكر ” – رضي الله عنها وعن أبيها – ، أنها حملت بعبد الله بن الزبير بمكة ، قال : قالت : فخرجت وأنا متم ، فأتيت المدينة  ، فنزلت بقباء فولدته بقباء ، ثم أتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فوضعته في حجره ، فدعا بتمرة ، فمضغها ، ثم تفل في فيه : فكان أول شيء دخل جوفه ريق رسول الله صلى الله عليه وسلم ، قالت : ثم حنكه بالتمرة ، ثم دعا له وبرّك عليه ، وكان أول مولود ولد في الإسلام للمهاجرين في المدينة قالت : ففرحوا به فرحا شديدا وذلك أنهم قيل لهم : إن اليهود قد سحرتكم ، فلا يولد لكم .

 النزول بقباء :

وفي يوم الاثنين 8 ربيع الاول سنة 14 من النبوة – وهي السنة الأولى من الهجرة الموافق 23 سبتمبر سنة 622 م نزل رسول الله صلى الله علية وسلم بقباء .

قال عروة بن الزبير : سمع المسلمون بالمدينة بمخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم من مكة فكانوا يغدون كل غداة إلى الحرة ، فينتظرونه حتى يردهم حر الظهيرة ، فانقلبوا يوماً بعدما أطالوا انتظارهم ، فلما أووا إلى بيوتهم أوفى رجل من يهود على أطم من آطامهم  لأمر ينظر إليه ، فبصر برسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه مبيضين يزول بهم السراب ، فلم يملك اليهودي أن قال بأعلى صوته : يا معشر العرب ، هذا جدكم الذي تنتظرون ، فثار المسلمون إلى السلاح .

قال ابن القيم : وسمعت الرجة والتكبير في بني عمرو بن عوف ، وكبر المسلمون فرحاً بقدومه ، وخرجوا للقائه ، فتلقوه وحيوه بتحية النبوة ، فأحدقوا به مطيفين حوله ، والسكنية تغشاه ، والوحي ينزل عليه ، ( فإن الله هو مولاه وجبريل وصالح المؤمنين والملائكة بعد ذلك ظهير ) ” سورة : التحريم 4 ” .

قال عروة بن الزبير : فتلقوا رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فعدل بهم ذات اليمين ، حتى نزل بهم في بني عمرو بن عوف ، وذلك يوم الاثنين من شهر ربيع الأول ، فقام أبو بكر للناس ، وجلس رسول الله صلى الله عليه وسلم صامتاً ، فطفق من جاء من الأنصار ممن لم  ير رسول الله صلى الله عليه  وسلم يحيي – وفي نسخة : يجيىء – أبا بكر ، حتى أصابت الشمس رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فأقبل أبو بكر حتى ظلل عليه بردائه ، فعرف الناس رسول الله صلى الله عليه وسلم عند ذلك .

وكانت المدينة كلها قد زحفت للاستقبال ، وكان يوماً مشهوداً لم تشهد المدينة مثله في تاريخه وقد رأى اليهود صدق بشارة حبقوق النبي : إن الله جاء من التيمان ، والقدوس من جبال فاران .

ونزل رسول الله صلى الله علية بقباء على كلثوم بن الهدم ، وقبل : بل على سعد بن خيثمة ، والأول أثبت ، ومكث على بن أبي طالب بمكة ثلاثاً ، حتى أدى عن رسول الله صلى الله عليه وسلم الودائع التي كانت عنده للناس ، ثم هاجر ماشياً على قدميه ، حتى لحقهما بقباء ، ونزل على كلثوم بن الهدم .

وأقام رسول الله صلى الله عليه وسلم بقباء أربعة أيام : الاثنين والثلاثاء والأربعاء والخميس ، وأسس مسجد قباء وصلى فيه ، وهو أول مسجد أسس على التقوى بعد النبوة ، فلما كان اليوم الخامس – يوم الجمعة – ركب بأمر الله له ، وأبو بكر ردفه ، وأرسل إلى بني النجار –أخواله – فجاؤوا متقلدين سيوفهم ، فسار نحو المدينة ، فأدركته الجمعة في بني سالم بن عوف ، فجمع بهم في المسجد الذي في بطن الوادي ، وكانوا مائة رجل .

–        انتهى –

                                   فاللهم صل وسلم على نبينا وحبيبنا محمد ” عليه الصلاة والسلام “

المراجع :

–        من كتاب المساجد الأثرية في المدينة النبوية للمؤلف الدكتور / محمد إلياس عبد الغني حفظه الله – فصل : قباء ( ص 25 – 32 ) . مطابع الرشيد .

–        من كتاب تحفة المودود بأحكام المولود للمؤلف الإمام / ابن قيم الجوزية رحمه الله – الباب الخامس : في استحباب تحنيكه ( ص 32  ) . طبعة : مكتبة نزار مصطفى الباز .

–        من كتاب الرحيق المختوم للمؤلف الشيخ / صفي الدين المباركفوري رحمه الله – فصل : هجرة النبي صلى الله عليه وسلم ( ص 156 – 159 ) . طبعة : دار ابن حزم .

34. قطوف من السيرة المحمدية ” دورس وعبر من الهجرة النبوية “

                  بسم الله الرحمن الرحيم

قطوف من السيرة المحمدية

على صاحبها أفضل الصلاة وأزكى التسليم

 ” العناوين “

الدروس والعبر من الهجرة النبوية ، المراجع .

” التفاصيل “

الدروس والعبر من الهجرة النبوية :

1. إن المؤمن إذا كان واثقا من قوته لا يستخفي في عمله ، بل يجاهر فيه ، ولا يبالي بأعداء دعوته ما دام واثقا من التغلب عليهم ، مع أن موقف القوة يرهب أعداء الله ، ويلقى الجزع في نفوسهم .

2. حين ييأس المبطلون من إيقاف دعوة الحق والإصلاح ، وحين يفلت المؤمنون من أيديهم ويصبحون في منجى من عدوانهم  ، يلجأون آخر الأمر إلى قتل الداعية المصلح ظناً منهم  أنهم إن قتلوه تخلصوا منه ، وقضوا على دعوته ، وهذا تفكير الأِشرار أعداء الإصلاح في كل عصر ، وقد شاهدناه ورأينا مثله في حياتنا .

3. إن الجندي الصادق المخلص لدعوة الإصلاح ، يفدي قائده بحياته ، ففي سلامة القائد سلامة الدعوة ، وفي هلاكه خذلانها ووهنها ، فما فعله علي رضي الله عنه ليلة الهجرة من بياته على فراش رسول الله صلى الله عليه وسلم دليل واضح على التضحية بالنفس من أجل أن يسلم قائده وقائد الدعوة الإسلامية رسول الله صلى الله عليه وسلم .

4. في إيداع المشركين ودائعهم عند رسول الله صلى الله عليه وسلم مع محاربتهم له وتصميمهم على قتله ، دليل على أن أعداء الإصلاح يوقنون في قرارة نفوسهم باستقامة الداعية وأمانته ونزاهته ، وأنه خير منهم سيرة ، وأنقى سريرة ، ولكن الإصرار والجمود على العادات والعقائد الضالة ، هو الذي يحملهم على محاربته ، ونصب الكيد له ، والتآمر على قتله  إن استطاعوا إلى ذلك سبيلا .

5. إن تفكير قائد الدعوة ، أو رئيس الدولة ، أو زعيم حركة الإصلاح  في النجاة من تآمر المتربصين والمغتالين  ، وعمله لنجاح خطة النجاة ليستأنف حركته  أشد قوة ومراسا في ميدان آخر ، لا يعتبر جبناً ولا فراراً من الموت ، ولا ضناً بالتضحية بالنفس والروح .

6. في موقف عبد الله بن أبي بكر ما يثبت أثر الشباب في نجاح الدعوات ، فهم عماد كل دعوة إصلاحية ، وباندفاعهم للتضحية والفداء ، تتقدم الدعوات سريعا نحو النصر والغلبة ، ونحن نرى في المؤمنين السابقين إلى الإسلام كلهم شبابا ، فرسول الله صلى الله عليه وسلم كان عمره أربعين سنة عند البعثة ، وأبو بكر رضي الله عنه كان أصغر منه بثلاث سنين ، وعمر رضي الله عنه أصغر منهما ، وعلي رضي الله عنه أصغر الجميع ، وعثمان  رضي الله عنه كان أصغر من رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وهكذا كان عبد الله بن مسعود ، وعبد الرحمن بن عوف ، والأرقم بن أبي الأرقم ، وسعيد بن زيد ، وبلال بن رباح ، وعمار بن ياسر ، رضي الله عنهم وعن سائر الصاحبة أجمعين ، كل هؤلاء كانوا شبابا ، حملوا أعباء الدعوة على كواهلهم ، فتحملوا في سبيلها الضحيات ، واستعذبوا من أجلها العذاب والألم والموت ، وبهؤلاء انتصر الإسلام ، وعلى جهودهم وجهود إخوانهم قامت دولة الخلفاء الراشدين ، وتمت الفتوحات الإسلامية الرائعة ، وبفضلهم وصل إلينا الإٍسلام الذي حررنا الله به من الجهالة والضلالة والوثنية والكفر والفسوق .

7. وفي موقف عائشة وأسماء رضي الله عنهما أثناء هجرة الرسول صلى الله عليه وسلم ما يثبت حاجة الدعوات الإصلاحية إلى النساء ، فهن أرق عاطفة ، وأكثر اندفاعا ، وأسمح نفسا ، وأطيب قلبا ، والمرأة إذا آمنت بشيء لم تبال في نشره والدعوة إليه بكل صعوبة وعملت على إقناع زوجها وإخوتها وأبنائها به ، ولجهاد المرأة في سبيل الإسلام في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم صفحات بيضاء مشرقة ، تؤكد لنا اليوم أن حركة الإصلاح الإسلامي ستظل وئيدة الخطى ، قليلة الأثر في المجتمع حتى تشترك فيها المرأة ، فتنشئ جيلا من الفتيات على الإيمان والخلق والعفة والطهارة ، هؤلاء أقدر على نشر هذه القيم التي يحتاج إليها مجتمعنا اليوم في أوساط النساء والرجال ، عدا أنهن سيكن زوجات وأمهات ، وأن الفضل الكبير في تربية الصغار الصحابة ثم التابعين من بعدهم يعود إلى نساء الإسلام اللاتي أنشأن هذه الأجيال على أخلاق الإسلام وآدابه ، وحب الإسلام ورسوله ، فكانت أكرم الأجيال التي عرفها التاريخ في علو الهمة ، واستقامة السيرة ، وصلاح الدين والدنيا .

8. وفي عمى أبصار المشركين عن رؤية  رسول الله صلى الله عليه وسلم وصاحبه في ” غار ثور ” وهم عنده ، مثلٌ تخشع له القلوب من أمثلة العناية الإلهية برسله ودعاته وأحبابه ، فما كان الله في رحمته لعباده  ليسمح أن يقع الرسول صلى الله عليه وسلم في قبضة المشركين  فيقضوا عليه وعلى دعوته وهو الذي أرسله رحمة للعالمين ، وكذلك يعوّد  الله عباده الدعاة المخلصين  أن  يلطف بهم في ساعات الشدة ، وينقذهم من المآزق الحرجة ، ويعمي عنهم – في كثير من الأحيان – أبصار المتربصين لهم بالشر والغدر ، وليس في نجاة الرسول وصاحبه بعد أن أحاط بهما المشركون في ” غار ثور ” إلا تصديق قول الله تبارك وتعالى : ( إنا لننصر رسلنا والذين آمنوا في الحياة الدنيا ويوم يقوم الأشهاد ) سورة غافر : 51 ، وقوله تبارك وتعالى : ( إن الله يدافع عن الذين آمنوا ) سورة الحج : 38 .

9. وفي خوف أبي بكر الصديق وهو في الغار من أن يراهما المشركون مثلُ لما ينبغي أن يكون عليه جندي الدعوة الصادق مع قائده الأمين حين يحدق به الخطر من خوف وإشفاق على حياته . فما كان أبو بكر وقتئذ بالذي يخشى على نفسه من الموت ، ولو كان كذلك لما رافق رسول الله صلى الله عليه وسلم في هذه الهجرة الخطيرة وهو يعلم أن أقل جزاء له القتل إن أمسكه المشركون مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ، ولكنه كان يخشى على حياة رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وعلى مستقبل الإسلام إن وقع الرسول صلى الله عليه وسلم في قبضة المشركين .

  1. وفي جواب الرسول صلى الله عليه وسلم لأبي بكر تطميناً له على قلقه ” يا أبا بكر ، ما ظنك باثنين الله ثالثهما ” مثل من أمثلة الصدق في الثقة بالله والاطمئنان إلى نصره ، والاتكال عليه عند الشدائد ، وهو دليل واضح على صدق الرسول صلى الله عليه وسلم في دعوى النبوة ، فهو في أشد المآزق حرجا ، ومع ذلك تبدو عليه أمارات الاطمئنان إلى أن الله بعثه هدى ورحمة للناس لن يتخلى عنه في تلك الساعات ، فهل ترى مثل هذا الاطمئنان يصدر عن مدع للنبوة ، منتحل صفة الرسالة ؟ وفي مثل هذه الحالات يبدو الفرق واضحا بين دعاة الإصلاح وبين المدعين له والمنتحلين لاسمه ، أولئك تفيض قلوبهم دائما وأبداً بالرضى عن الله ، والثقة بنصره ، وهؤلاء يتهاوون عند المخاوف ، وينهارون عند الشدائد ، ثم لا تجد لهم من الله وليا ولا نصيرا .

–        انتهى –

                                   فاللهم صل وسلم على نبينا وحبيبنا محمد ” عليه الصلاة والسلام “

المراجع :

–        من كتاب السيرة النبوية دروس وعبر للمؤلف الدكتور / مصطفى السباعي رحمه الله . طبعة / دار الوراق ( ص 76 – 82 ) . ” بتصرف “

33. قطوف من السيرة المحمدية ” نهاية العهد المكي “

  بسم الله الرحمن الرحيم

قطوف من السيرة المحمدية

على صاحبها أفضل الصلاة وأزكى التسليم

 ” العناوين “

الإذن بالهجرة ، تطوير منزل رسول الله صلى الله عليه وسلم ، نبينا الكريم يغادر بيته ، الخيبة والفشل تحل على المحاصرين ، من الدار إلى الغار ، الحرب خدعة ، نبذة عن غار ثور ، إذ هما في الغار ، نهاية العهد المكي ، المراجع .

” التفاصيل “

الإذن بالهجرة :

لما تم اتخاذ القرار الغاشم بقتل النبي صلى الله عليه وسلم نزل إليه جبريل بوحي ربه تبارك وتعالى ، فأخبره بمؤامرة قريش ، وأن الله قد أذن له في الخروج ، وحدد له وقت الهجرة قائلا : لا تبت هذه الليلة على فراشك الذي كنت تبيت عليه .

وذهب النبي صلى الله عليه وسلم في الهاجرة إلى أبي بكر رضي الله عنه ؛ ليبرم معه مراحل الهجرة ، قالت عائشة رضي الله عنها : بينما نحن جلوس في بيت أبي بكر في نحر الظهيرة قال قائل لأبي بكر : هذا رسول الله – صلى الله عليه وسلم – متقنعا ، في ساعة لم يكن يأتينا فيها ، فقال أبو بكر : فداء له أبي وأمي ، والله ما جاء به في هذه الساعة إلا أمر .

قالت : فجاء رسول الله صلى الله عليه وسلم فاستأذن ، فأذن له ، فدخل ، فقال النبي صلى الله عليه وسلم لأبي بكر : ” أخرج من عندك ” . فقال أبو بكر : إنما هم أهلك ، بأبي أنت يا رسول الله . قال : ” فإني قد أذن  لي في الخروج ” ، فقال أبو بكر : الصحبة بأبي أنت يا رسول الله ؟ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ” نعم ” .

تطويق منزل رسول الله صلى الله عليه وسلم :

أما أكابر مجرمي قريش فقضوا نهارهم في الإعداد لتنفيذ الخطة المرسومة التي أبرمها برلمان مكة : ” دار الندوة ” صباحا . واختير لذلك أحد عشر رئيسا من هؤلاء الأكابر نذكر منهم : أبو جهل بن هشام ، الحكم بن العاص ، عقبة بن أبي معيط ، النضر بن الحارث ، أبو لهب … . قال ابن إسحاق : فلما كانت عتمة الليل اجتمعوا على بابه يرصدونه متى نام ، فيثبون عليه . وكانوا على ثقة ويقين جازم من نجاح هذه المؤامرة الدنية . وقد كان ميعاد تنفيذ تلك المؤامرة بعد منتصف الليل ، فباتوا متيقظين ينتظرون ساعة الصفر ، ولكن الله غالب على أمره ، بيده ملكوت السماوات والأرض ، يفعل ما يشاء ، وهو يجير ولا يجار عليه ، فقد فعل ما خاطب به الرسول صلى الله عليه وسلم فيما بعد :  ”  وإذ يمكر بك الذين كفروا ليثبتوك أو يقتلوك أو يخرجوك ويمكرون ويمكر الله والله خير الماكرين ” ” سورة الأنفال : 30 ” .

نبينا الكريم يغادر بيته :

ومع غاية استعداد قريش لتنفيذ خطتهم فقد فشلوا فشلا فاحشا . ففي هذه الساعة الحرجة قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لعلي بن أبي طالب : ” نم على فراشي ، وتسج ببردي هذا الحضرمي الأخضر ، فنم فيه ، فإنه لن يخلص إليك شيء تكرهه منهم ” . وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم ينام في برده ذلك إذا نام . ثم خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم واخترق صفوفهم ، وأخذ حفنة من البطحاء فجعل يذره على رؤوسهم ، وقد أخذ الله أبصارهم عنه فلا يرونه ، وهو يتلو : ” وجعلنا من بين أيديهم سدا ومن خلفهم سدا فأغشيناهم  فهم لا يبصرون ” ” سورة ياسين : 9 ” . فلم يبق منهم رجل إلا وقد وضع على رأسه ترابا ، ومضى إلى بيت أبي بكر ، فخرجا من خوخة في دار أبي بكر ليلا حتى لحقا بغار ثور في اتجاه اليمن .

الخيبة والفشل تحل على المحاصرين  :

وبقي المحاصرون ينتظرون حلول ساعة الصفر ، وقبيل حلولها تجلت لهم الخيبة والفشل ، فقد جاءهم رجل ممن لم يكن معهم ، ورآهم ببابه فقال : ما  تنتظرون ؟ قالوا : محمدا . قال خبتم وخسرتم ، قد والله مر بكم ، وذر على رؤوسكم التراب ، وانطلق لحاجته ، قالوا : والله ما أبصرناه ، وقاموا ينفضون التراب على رؤوسهم . ولكنهم تطلعوا من صير البال فرأوا عليا ، فقالوا : والله إن هذا لمحمد نائما ، عليه برده ، فلم يبرحوا كذلك حتى أصبحوا . وقام علي عن الفراش ، فسقط في أيديهم ، وسألوه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فقال : لا علم لي به .

من الدار إلى الغار :

غادر رسول الله صلى الله عليه وسلم بيته في ليلة 27 من شهر صفر سنة 14 من النبوة الموافق 12/13 سبتمبر سنة 622 م . وأتى إلى دار رفيقه – وأمن الناس عليه في صحبته وماله – أبي بكر رضي الله عنه . ثم غادرا منزل الأخير من باب خلفي ،  ليخرجا من مكة على عجل ، وقبل أن يطلع الفجر .

الحرب خدعة :

ولما كان النبي صلى الله عليه وسلم يعلم أن قريشا ستجد في الطلب ، وأن الطريق الذي ستتجه إليه الأنظار لأول وهلة هو طريق المدينة الرئيس المتجه شمالا ، فقد سلك الطريق الذي يضاده تماما ، وهو الطريق الواقع جنوب مكة ، والمتجه نحو اليمن . سلك هذا الطريق نحو خمسة أميال ، حتى بلغ إلى جبل يعرف بجبل ثور ، وهذا جبل شامخ ، وعر الطريق ، صعب المرتقى ، ذا أحجار كثيرة ، فحفيت قدما رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وقيل : بل كان يمشي في الطريق على أطراف قدميه كي يخفي أثره فحفيت قدماه ، وأيا ما كان ؛ فقد حمله أبو بكر حين بلغ إلى الجبل ، وطفق يشتد به حتى انتهى به إلى غار في قمة الجبل ، عرف في التاريخ بغار ثور .

نبذة عن غار ثور :

غار ثور :  يقع في جبل ثور : وهو في الجهة الجنوبية من المسجد الحرام على بعد نحو ( 4 ) كم ، وارتفاعه نحو ( 748 ) م من سطح البحر ، ونحو ( 458 ) م من سفح الجبل ، وهذا الغار صخرة مجوفة أشبه بسفينة  صغيرة ظهرها إلى الأعلى ، وأقصى ارتفاعه 1.25 م ، وأقصى طوله وعرضه (3.5 م × 3.5 م ) ، وله فتحتان فتحة في ناحية الغرب ، وهي التي دخل منها النبي صلى الله عليه وسلم ، وكان يدخل منها الشخص زاحفا على بطنه ، ووسعت في بداية القرن التاسع الهجري ونهاية القرن الثالث عشر الهجري . وأقصى ارتفاعها متر واحد مع الدرج المنحوت بأسفلها ، وفتحة في الشرق ، وهي أوسع من الأول ، ويقال : إنها محدثة ليسهل على الناس الدخول إلى الغار والخروج منه ، وبين الفتحتين 3.50 م ، وهذا الغار دون القمة وصعب المرتقى ويستغرق الصعود إليه نحو ساعة ونصف .

إذ هما في الغار :

ولما وصل النبي صلى الله عليه وسلم وأبو بكر إلى هذا الغار حين قصدا الهجرة إلى المدينة دخل أبو بكر قبله فلمس الغار لينظر أفيه سبع أو حية يقي رسول الله صلى الله عليه وسلم بنفسه ، ثم دخل النبي صلى الله عليه وسلم ، وكان عبد الله بن أبي بكر يبيت عندهما ، ويرجع بسحر فيصبح مع قريش بمكة ، ويأتيهما بخبرهم حين يختلط الظلام ، وكان عامر بن فهيرة مولى أبي بكر يتبع بغنمه أثر عبد الله بعد ذهابه ليعفي عليه .  وقد ورد ذكر هذا الغار في قوله تعالى : ” إلا تنصروه فقد نصره الله إذ أخرجه الذين كفروا ثاني اثنين إذ هما في الغار إذ يقول لصاحبه لا تحزن إن الله معنا فأنزل الله سكينته عليه وأيده بجنود لم تروها … ” سورة التوبة : 40 ” . وعن أبي بكر رضي الله عنه قال : كنت مع النبي صلى الله عليه وسلم في الغار ، فرأيت آثار المشركين ، قلت : يا رسول لو أن أحدهم رفع قدمه رآنا ، قال : ما ظنك باثنين الله ثالثهما . وبعد ثلاث ليال لما خمدت عنهما نار الطلب جاءهما الدليل عبد الله بن أريقط بالراحلتين  ، فارتحلا ، وأردف أبو بكر مولاه عامر بن فهيرة ، وواصلوا سيرهم إلى المدينة المنورة .

نهاية العهد المكي :

إلى هنا ينتهي العهد المكي وبه ينتهي الجزء الأول من قطوف من السيرة المحمدية على صاحبها أفضل الصلاة  وأزكى التسليم فإن كان صوابا فمن الله وإن كان به خطأ أو زيادة أو نقص أو نسيان فمن نفسي والشيطان وارجو الله التوفيق والسداد .

–        انتهى –

                                   فاللهم صل وسلم على نبينا وحبيبنا محمد ” عليه الصلاة والسلام “

المراجع :

–        من كتاب الرحيق المختوم للمؤلف الشيخ / صفي الدين المباركفوري رحمه الله – فصل : هجرة النبي صلى الله عليه وسلم ( ص 156 – 159 ) . طبعة : دار ابن حزم .

–        من كتاب تاريخ مكة المكرمة قديما وحديثا للمؤلف الدكتور / محمد إلياس عبد الغني حفظه الله – فصل : غار ثور ( ص 128 – 130 ) . مطابع الرشيد .