22. قطوف من السيرة المحمدية ” الهجرة الثانية “

بسم الله الرحمن الرحيم

قطوف من السيرة المحمدية

على صاحبها أفضل الصلاة وأزكى التسليم

 ” العناوين “

الأمر بالهجرة الثانية ، مكيدة قريش بمهاجري الحبشة ، النجاشي يقف موقف القاضي الفطن ، فائدة من موقف النجاشي في حكمه ، وقفة مع المتحدث الرسمي جعفر الطيار ،  النجاشي يستمع للقرآن ، محاولة أخرى لتشويه صورة المهاجرين عند النجاشي ، المراجع .

” التفاصيل “

الأمر بالهجرة الثانية :

بعد نجاح الهجرة الأولى إلى الحبشة اشتد على المسلمين الذين لم يتمكنوا من الهجرة الأولى البلاء والعذاب من قريش ، وسطت بهم عشائهم ، فقد كان صعب على قريش ما بلغها عن النجاشي من حسن الجوار ، ولم ير رسول الله صلى الله عليه وسلم بدأ من أن يشير على أصحابه بالهجرة إلى الحبشة مرة أخرى ، وكانت هذه الهجرة الثانية أشق من سابقتها ، فقد تيقظت لها قريش وقررت إحباطها ، بيد أن المسلمين كانوا أسرع ، ويسر الله لهم السفر ، فانحازوا إلى نجاشي الحبشة قبل أن يدركوا .

وفي هذه المرة هاجر من الرجال ثلاثة وثمانون رجلاً ويشك فما إذا كان فيهم عمار بن ياسر ، وثمان عشرة أو تسع عشرة امرأة ، وبالأول جزم العلامة محمد سليمان المنصور فوري .

مكيدة قريش بمهاجري الحبشة :

عز على المشركين أن يجد المهاجرون مأمناً لأنفسهم ودينهم ، فاختاروا رجلين جلدين لبيبين ، وهما ، عمرو بن العاص ، وعبد الله بن أبي ربيعة ، قبل أن يسلما ، وأرسلوا معهما الهدايا المستطرفة للنجاشي ولبطارقته ، وبعد أن ساق الرجلان تلك الهدايا إلى البطارقة ، وزوداهم بالحجج التي يطرد بها أولئك المسلمون ، وبعد أن اتفقت البطارقة أن يشيروا على النجاشي بإقصائهم ، حضرا إلى النجاشي ، وقدما لهم الهدايا ثم كلماه ، فقالا له :

أيها الملك ، إنه قد ضوى إلى بلدك غلمان سفهاء ، فارقوا من قومهم ، ولم يدخلوا في دينك ، وجاءوا بدين ابتدعوه ، لا نعرفه نحن ولا أنت ، وقد بعثنا إليك فيهم أشراف قومهم من آبائهم وأعمامهم وعشائرهم ، لتردهم إليهم ، فهم أعلى بهم عيناً ، وأعلم بما عابوا عليهم ، وعاتبوهم فيه .

النجاشي يقف موقف القاضي الفطن :

وقالت البطارقة : صدقاً أيها الملك ، فأسلمهم إليهما ، فليرداهم إلى قومهم وبلادهم ولكن رأى النجاشي أنه لا بد من تمحيص القضية ، وسماع أطرافها جميعاً ، فأرسل إلى المسلمين ، ودعاهم فحضروا ، وكانوا قد أجمعوا على الصدق كائناً من كان ، فقال لهم النجاشي : ما هذا الدين الذي فارقتم فيه قومكم ، ولم تدخلوا به في ديني ولا دين أحد من هذه الملل ؟ .

فائدة من موقف النجاشي تجاه الوشاة :

من المعلوم أن كل شخص يرى أن الحق معه وإن كان على خطأ ، ويرى أيضا بأن خصمه على باطل وإن كان على حق فلا ينبغي أن نحكم بين اثنين إلا بعد أن نسمع منهما ثم بعد ذلك نحكم بالحق ولا نميل إلى الجانب الذي يروق لنا وكما قيل ” امسك العصا من الوسط  ” .

المتحدث الرسمي عن الإسلام ” جعفر الطيار رضي الله عنه :

قال جعفر بن أبي طالب رضي الله عنه وكان هو المتكلم عن المسلمين ، أيها الملك ، كنا قوماً أهل جاهلية ، نعبد الأصنام ونأكل الميتة ، ونأتي الفواحش ، ونقطع الأرحام ، ونسيء الجوار ، ويأكل منا القوي الضعيف ، فكنا على ذلك ، حتى بعث الله إلينا رسولاً منا ، نعرف نسبه وصدقه وأمانته وعفافه ، فدعانا إلى الله لنوحده ونعبده ،  ونخلع ما كنا نعبد نحن وآباؤنا من دونه من الحجارة والأوثان ، وأمرنا بصدق الحديث ، وأداء الأمانة ، وصلة الرحم ، وحسن الجوار ، والكف عن المحارم والدماء ، ونهانا عن الفواحش ، وقول الزور ، وأكل مال اليتيم ، وقذف المحصنات ، وأمرنا أن نعبد الله وحده ، لا نشرك به شيئاً ، وأمرنا بالصلاة والزكاة والصيام ، فعدد عليه أمور الإسلام ، فصدقناه ، وآمنا به ، واتبعناه على ما جاءنا به من دين الله ، فعبدنا الله وحده ، فلم نشرك به شيئاً ، وحرمنا ما حرم علينا ، وأحللنا ما أحل لنا ، فعدا علينا قومنا ، فعذبونا ، وفتنونا عن ديننا ، ليردونا إلى عبادة الأوثان من عبادة الله تعالى ، وأن نستحل ما كنا نستحل من الخبائث ، فلما قهرونا وظلمونا وضيقوا علينا ، وحالوا بيننا وبين ديننا خرجنا إلى بلادك ، واخترناك على من سواك ، ورغبنا في جوارك ، ورجونا أن لا نظلم عندك أيها الملك .

وقفة مع خطاب المتحدث الرسمي عن الإسلام ” جعفر الطيار رضي الله عنه :

لاحظنا أن خطاب جعفر بن أبي طالب رضي الله عنه  وكان هو المتكلم عن المسلمين ، كان يتحدث عن أمور أساسية في حياة كل مسلم على وجه الأرض  فأحببنا أن نقف مع بعض ما ذكر في خطابه

 قوله : أمرنا بصدق الحديث : فسأل نفسك يا أيها المسلم كيف حالك مع الصدق في نفسك هل أنت صادق في أقوالك في أفعالك في أعمالك واحتفظ بالإجابة لنفسك فهل الصدق الآن يظهر في حياة المسلمين قولا ، وعملا ، وفعلا  ! .

وقس على ذلك فيما يتعلق في أداء الأمانة ، وصلة الرحم ، وحسن الجوار … إلخ . ولا يخفى أن بعض المسلمين هداهم الله يفتقرون لمثل هذه الأهداف النبيلة في ديننا الحنيف ولا يفوتنا أن نذكر مقولة جميلة للمفكر الإسلامي محمد الغزالي رحمه الله  عندما تطرق إلى المؤتمرات العربية والإسلامية لعلاج أحوال المسلمين حيث قال : ” هي أن يدخل المسلمون في الإسلام ” .

النجاشي يطلب سماع شيء من القرآن :

فقال له النجاشي : هل معك مما جاء به الله من شيء ؟ فقال له جعفر نعم ! فقال له النجاشي : فاقرأه عليّ ، فقرأ عليه صدراً من ( كهيعص ) فبكى والله النجاشي حتى اخضلت لحيته ، وبكت أساقفته حتى أخضلوا مصاحفهم حين سمعوا ما تلا عليهم ، ثم قال لهم النجاشي : إن هذا والذي جاء به عيسى ليخرج من مشكاة واحدة ، انطلقا ، فلا والله لا أسلمهم إليكما ولا يكادون ، يخاطب عمرو بن العاص وصاحبه – فخرجا ،

محاولة أخرى لتشويه صورة المهاجرين عند النجاشي :

قال عمرو ابن العاص لعبد الله بن ربيعة : والله لأتينهم غداً عنهم بما أستأصل به خضراءهم ، فقال له عبدالله بن ربيعة : لا تفعل ، فإن لهم أرحاماً وإن كانوا قد خالفونا ، ولكن أصر عمرو على رأيه . فلما كان الغد قال للنجاشي : أيها الملك ! أنهم يقولون في عيسى ابن مريم قولاً عظيماً ، فأرسل إليهم النجاشي يسألهم عن قولهم في المسيح ، ففزعوا ، ولكن أجمعوا على الصدق ، كائناً من كان ، فلما دخلوا عليه ، وسألهم قال له جعفر : نقول فيه الذي جاءنا به نبينا محمد صلى الله عليه وسلم : هو عبدالله ورسوله وروحه وكلمته ألقها إلى مريم العذراء البتول . فأخذ النجاشي عوداْ من الأرض ، ثم قال : والله ما عدا عيسى ابن مريم ما قلت هذا العود  فتأخرت بطارقته ، فقال : وإن نخرتم والله . ثم قال للمسلمين : اذهبوا فأنتم شيوم بأرضي – والشيوم : الآمنون بلسان الحبشة – من سبكم غرم ، من سبكم غرم ، من سبكم غرم ، ما أحب أن لي دبراً من ذهب وأني  آذيت رجلاً منكم – والدبر الجبل بلسان الحبشة . ثم قال لحاشيته : ردوا عليهما هداياهما ، فلا حاجة لي بها ، فوا الله ما أخذ الله مني الرشوة حين رد علي ملكي ، فاخذ الرشوة فيه ، وما أطاع الناس فـي ّ فأطيعهم فيه .

قالت أم سلمة التي تروي هذه القصة : فخرجا من عنده مقبوحين مردوداً عليهما ما جاؤوا به وأقمنا عنده بخير دار مع خير جار . هذه رواية ابن إسحاق , وذكر غيره أن وفادة عمرو بن العاص إلى النجاشي كانت بعد بدر وجمع بعضهم بأن الوفادة كانت مرتين ، لكن الأسئلة والأجوبة التي ذكروا أنها دارت بين النجاشي وجعفر في الوفادة الثانية هي نفس الأسئلة والأجوبة التي ذكرها ابن إسحاق تقريباً ثم إن تلك الأسئلة تدل لفحواها أنها كانت في أول مرافعة قدمت إلى النجاشي .

–        انتهى –

                                   فاللهم صل وسلم على نبينا وحبيبنا محمد ” عليه الصلاة والسلام “

المراجع :

–        من كتاب الرحيق المختوم للمؤلف الشيخ / صفي الدين المباركفوري رحمه الله –  الفصول : الهجرة الأولى إلى الحبشة  + مكيدة قريش بمهاجري الحبشة .

–        من كتاب قذائف الحق للمؤلف الشيخ / محمد الغزالي رحمه الله – الفصل الثامن : مبحث : التنادي بالجهاد .

21. قطوف من السيرة المحمدية ” الهجرة الأولى “

بسم الله الرحمن الرحيم

قطوف من السيرة المحمدية

على صاحبها أفضل الصلاة وأزكى التسليم

 ” العناوين “

متى كان زمن الهجرة الأولى ، السبب الذي أدى إلى الهجرة الأولى ، رسول الله أعظم إيجابي عرفه التاريخ ، نبذة عن النجاشي ، عدد المهاجرين وكيفية وصولهم إلى الحبشة وما علاقة قريش بالحبشة ، أسماء المهاجرين والمهاجرات ، المراجع .

” التفاصيل “

متى كانت الهجرة الأولى :

      كانت الهجرة الأولى في شهر رجب من السنة الخامسة من المبعث سنة 615 م .

السبب الذي أدى إلى الهجرة الأولى :

      لما رأى رسول الله صلى الله عليه وسلم ما يصيب أصحابه من البلاء والعذاب وما هو فيه من العافية لمكانه من الله عز وجل ودفاع أبي طالب عنه وأنه لا يقدر أن يمنعهم ، قال لهم :

” لو خرجتم إلى أرض الحبشة فإن فيها ملكا لا يظلم أحد عنده حتى يجعل الله لكم فرجا ومخرجا مما أنتم فيه ” ومكث هو فلم يبرح يدعو إلى الله سرا وجهرا .

رسول الله صلى الله عليه وسلم أعظم إيجابي عرفه التاريخ :

      كان النجاشي في ذلك الزمن رجلاَ كافراَ ولكنه تميز بميزة إيجابية ألا وهي أنه لا يظلم عنده أحد ، فعامله رسول الله صلى الله عليه وسلم على إيجابيته ولم يقل هذا رجل كافر لا أتعامل معه أو شيء من هذا القبيل .

نبذة عن النجاشي رحمه الله :

كان النجاشي وقتئذ أصحمة بن أبجر ، ومعنى أصحمة بالعربية عطية ، والنجاشي اسم لكل ملك يلي الحبشة وكان الأحباش مسيحيين نسطوريين فخرج المهاجرون متسللين سرا وذلك في شهر رجب سنة خمس من بعد النبوة ( سنة 615 م ) .

عدد المهاجرين وكيفية وصولهم إلى الحبشة وما علاقة قريش بالحبشة :

وفي رجب سنة خمس من النبوة هاجر أول فوج من الصحابة إلى الحبشة وكان مكونا من اثنى عشر رجلا وأربع نسوة وكان رئيسهم عثمان بن عفان ومعه السيدة رقية بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وقد قال فيهم رسول الله صلى الله عليه وسلم فيهما ” إنهما أول بيت هاجر في سبيل الله بعد إبراهيم ولوط عليهما السلام ” .

كان رحيل هؤلاء تسللا في ظلمة الليل – حتى لا تفطن لهم قريش – خرجوا إلى البحر ويمموا ميناء شعيبة ، ووفق الله للمسلمين ساعة جاءت سفينتنا لتجار حملوهم فيها إلى أرض الحبشة وخرجت قريش في أثرهم حتى جاءوا إلى البحر حيث ركبوا فلم يدركوا منهم أحدا ، فكان خروجهم سرا .

قالوا : قدمنا أرض الحبشة فجاورنا بها خير جار ، أمنّا على ديننا وعبدنا الله لا نؤذي ولا نسمع شيئا نكرهه ، وكانت الحبشة متجرا لقريش يتجرون فيها ويجدون فيها رزقا وأمناً حسنا .

أسماء المهاجرين من الرجال والنساء :

المهاجرين من الرجال :

1. عثمان بن عفان رضي الله عنه .

2. أبو حذيفة بن عتبة رضي الله عنه .

3. مصعب بن عمير رضي الله عنه .

4. الزبير بن العوام رضي الله عنه .

5. عبد الرحمن بن عوف رضي الله عنه .

6. أبو سلمة بن عبد الأسد رضي الله عنه .

7. عثمان بن مظعون رضي الله عنه .

8. عبدالله بن مسعود رضي الله عنه .

9. عامر بن ربيعة رضي الله عنه .

10. حاطب بن عمرو رضي الله عنه .

11. سهيل بن وهب رضي الله عنه .

12. أبو سبرة رضي الله عنه .

 المهاجرين من النساء :

1. رقية بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم امرأة عثمان بن عفان رضي الله عنهما .

2. سهلة بنت سهل امرأة أبو حذيفة بن عتبة رضي الله عنهما .

3. أم سلمة امرأة أبو سلمة بن عبد الأسد رضي الله عنهما .

4. ليلى بنت أبي هيثمة امرأة عامر بن ربيعة رضي الله عنهما .

–   انتهى –

                                   فاللهم صل وسلم على نبينا وحبيبنا محمد ” عليه الصلاة والسلام “

المراجع :

–        من كتاب محمد صلى الله عليه وسلم للمؤلف أ . محمد رضا رحمه الله –  فصل : قريش تفاوض أبا طالب في أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم المفاوضة الأولى ، المفاوضة الثانية ، المفاوضة الثالثة ، تعذيب المسلمين .

–        من كتاب الرحيق المختوم للمؤلف الشيخ . صفي الدين المباركفوري رحمه الله –  فصل : الهجرة الأولى إلى الحبشة .

20. قطوف من السيرة المحمدية . قريش تمتحن ” تختبر ” رسول الله .

                     بسم الله الرحمن الرحيم

قطوف من السيرة المحمدية

على صاحبها أفضل الصلاة وأزكى التسليم

 ” العناوين “

ما عرضته قريش على رسول الله صلى الله عليه وسلم ، قريش تمتحن رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فائدة عن ” قول إن شاء الله ” ،  المراجع .

” التفاصيل “

ما عرضته قريش على رسول الله صلى الله عليه وسلم :

      سبق وأن تحدثنا عن هذه النقطة في قطوف من السيرة المحمدية رقم 18 وبالتحديد حديثه صلى الله عليه وسلم مع عتبة بن ربيعة مما يغني عن إعادته هاهنا .

قريش تمتحن رسول الله صلى الله عليه وسلم :

لم تكتف قريش بهذا كله بل أردوا إحراجه عليه الصلاة والسلام بالأسئلة فبعثوا النضر بن الحارث وعقبة بن أبي معيط إلى أحبار اليهود بالمدينة وقالوا لهما سلاهم عن محمد وصفا لهم صفته وأخبراهم بقوله فإنهم أهل الكتاب الأول وعندهم علم ليس عندنا من علم الأنبياء ، فخرجا حتى قدما المدينة فسألا أحبار يهود عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ووصفا لهم أمره وأخبراهم ببعض قوله وقالا لهم إنكم أهل التوراة وقد جئناكم لتخبرونا عن صاحبنا هذا ، فقالت لهم أحبار يهود : سلوه عن ثلاثة نأمركم بهن فإن أخبركم بهن فهو نبي مرسل ، وإن لم يفعل فالرجل متقوّل فروا فيه رأيكم .

 سلوه عن فتية ذهبوا في الدهر الأول ما كان أمرهم فإنه قد كان لهم حديث عجيب ، وسلوه عن رجل طوّاف قد بلغ مشارق الأرض ومغاربها ما كان نبؤه ، وسلوه عن الروح وما هي ، فإذا أخبركم بذلك فاتبعوه فإنه نبي وإن لم يفعل فهو رجل متقوّل .

فأقبل النضر بن الحارث وعقبة بن أبي معيط حتى قدما مكة على قريش فقالا : يا معشر قريش قد جئنا بفصل ما بينكم وبين محمد ، قد أمرنا أحبار يهود أن نسأله عن أشياء فإن أخبركم عنه فهو نبي وإن لم يفعل فالرجل متقوّل فروا فيه رأيكم .

فجاءوا رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالوا : يا محمد أخبرنا عن فتية  ذهبوا في الدهر الأول كانت لهم قصة عجب ، وعن رجل كان طوافا قد بلغ مشارق الأرض ومغاربها ، وأخبرنا عن الروح وما هي ؟

فقال لهم رسول الله : ” أخبركم بما سألتم عنه غدا ” ولم يستثن ” أي لم يقل إن شاء الله ”  ، فانصرفوا عنه فمكث رسول الله خمس عشرة ليلة لا يحدث الله إليه وحيا ولا يأتيه جبريل حتى أرجف أهل مكة وقالوا : وعدنا محمد غدا واليوم خمس عشر ليلة قد أصبحنا منها  لا يخبرنا بشيء مما سألنه عنه ، فشق على رسول الله صلى الله عليه وسلم تأخير الوحي وما يتكلم به أهل مكة ، ثم جاءه جبريل عليه السلام بسورة أصحاب الكهف فيها معاتبته إياه على حزنه عليهم وخبر ما سألوه عنه .

قال المفسرون : إن القوم  لما سألوا النبي صلى الله عليه وسلم عن المسائل الثلاث قال عليه السلام : ” أجيبكم عنها غدا ” ولم يقل إن شاء الله  ، فاحتبس الوحي خمسة عشر يوما ثم نزل قوله تعالى : ” ولا تقولن لشائ إني فاعل ذلك غدا * إلا أن يشاء الله واذكر ربك إذا نسيت وقل عسى أن يهدين ربي لأقرب من هذا رشدا ” .

جاء جبريل عليه السلام من الله تعالى بخبر ما سألوه عنه ، فقال تعالى في شأن الفتية : ” أم حسبت أن أصحاب الكهف والرقيم كانوا من ءاياتنا عجبا ” .

وقال فيما سألوه عنه من أمر الرجل الطوّاف : ” ويسألونك عن ذي القرنين قل سأتلوا عليكم منه ذكرا * إنا مكنا له في الأرض وءاتيناه من كل شيء سببا * فأتبع سببا ” إلى آخر القصة .

وقال تعالى فيما سألوه عنه من أمر الروح : ” ويسألونك عن الروح قل الروح من أمر ربي وما أوتيتم من العلم إلا قليلا ” .

                                       فائدة عن الاستثناء ” قول إن شاء الله ” :

لا بد من ذكر هذا القول – إن شاء الله – هو أن الإنسان إذا قال سأفعل الفعل الفلاني غدا لم يبعد أن يموت – لا قدر الله – قبل مجيء الغد ولم يبعد أيضا لو بقي حيا أن يعوقه عن ذلك الفعل شيء من العوائق فإذا كان لم يقل إن شاء الله صار كاذبا في ذلك الوعد ، والكذب منفر وذلك لا يليق بالأنبياء عليهم السلام .

قال ابن عباس ومجاهد والحسن وغيرهم : معناه إذا نسيت الاستثناء ثم ذكرت فاستثن .

–    انتهى –

                                   فاللهم صل وسلم على نبينا وحبيبنا محمد ” عليه الصلاة والسلام “

المراجع :

–        من كتاب محمد صلى الله عليه وسلم للمؤلف أ . محمد رضا رحمه الله –  فصل : ما عرضته قريش على رسول الله صلى الله عليه وسلم ، قريش تمتحن رسول الله صلى الله عليه وسلم .

–        من كتاب مدارج السالكين بين منازل إياك نعبد وإياك نستعين – للمؤلف الإمام ابن قيم الجوزية رحمه الله –  الجزء الثالث ، فصل في منزلة الذكر .

19. قطوف من السيرة المحمدية . قريش تفاوض أبا طالب في أمر رسول الله

                   بسم الله الرحمن الرحيم

قطوف من السيرة المحمدية

على صاحبها أفضل الصلاة وأزكى التسليم

 ” العناوين “

قريش تفاوض أبا طالب في أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم ” المفاوضة الأولى ، المفاوضة الثانية ، المفاوضة الثالثة ، تعذيب المسلمين  ، المراجع .

” التفاصيل “

قريش تفاوض أبا طالب في أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم المفاوضة الأولى :

      لما رأت قريش أن أبا طالب قد قام دون النبي صلى الله عليه وسلم ولم يسلمه لهم ، مشى رجال  من أشرافهم إلى أبي طالب : عتبة وشيبة ابنا ربيعة ، وأبو البختري بن هشام، والأسود بن المطلب ، والوليد بن المغيرة ، وأبو جهل بن هشام ، والعاص بن وائل السهمي ، ونبيه ومنبه ابنا الحجاج ، وغيرهم ،

فقالوا : يا أبا طالب إن ابن أخيك قد سب آلهتنا وعاب ديننا ، وسفه أحلامنا ، وضلل آباءنا ، فإما أن تكفه عنا وإما تخلي بيننا وبينه فإنك على مثل ما نحن عليه من خلافه ، فقال لهم أبو طالب قولاً جميلاً وردهم رداً رقيقاً فانصرفوا عنه ، ومضى رسول الله صلى الله عليه وسلم لما هو عليه ، هذه هي المفاوضة الاولى

لكنها لم تُثمر شيئا ، إذ ظل الرسول يدعو إلى عبادة الله  كما كان .

المفاوضة الثانية :

ثم لما تباعد الرجال وتضاغنوا ، و أكثرت قريش ذكر رسول الله صلى الله عليه وسلم فكروا في مفاوضة أبي طالب مرة أخرى ، فمشوا إليه وقالوا :  يا أبا طالب إن لك سناً وشرفاً  ومنزلة فينا وأنا قد اشتهيناك أن تنهي ابن أخيك فلم تفعل ، وإنا والله لا نصبر على هذا من شتم آلهتننا وآبائنا ،  وتسفيه أحلامنا حتى تكفه عنا ، أو ننازله وإياك في ذلك حتى يهلك أحد الفريقين ، أو كما قالوا ، ثم انصرفوا عنه ، ومعنى ذلك أنهم هددوا أبا طالب في هذه المرة  ، وأظهروا له العداوة ، فعظم عليه فراق قومه ، وعداوتهم له ، ولم تطب نفسه بإسلام رسول الله صلى الله عليه وسلم وخذلانه ، فبعث الى رسول الله صلى الله عليه وسلم فأعلمه ما قالت قريش وقال له ، أبق على نفسك وعلي ولا تحملني من الأمر ما لا أطيق ، فظن رسول الله صلى الله عليه وسلم أن عمه قد خذله وضعف في نصرته فقال له )  يا عماه  والله لو وضعوا الشمس في يميني والقمر في يساري على أن أترك هذا الأمر حتى يظهره الله أو أهلك فيه ما تركته ) ثم بكى رسول الله صلى الله عليه وسلم وقام ، فلما ولى ناداه أبي طالب فأقبل عليه وقال : اذهب  يا ابن أخي  فقل ما أحببت فو الله لا أسلمك لشيء أبداً ، فتدبر أيها القارئ في قوة رسول الله صلى الله عليه وسلم تلك القوة المعنوية العظيمة أمام  شعب معاد معاند وشدة تمسكه بمبدئه إلى النهاية .

       المفاوضة الثالثة :

أصر أبو طالب على الدفاع عن ابن أخيه قياماً بالواجب على نحو من تربى في كفالته ونشأ في بيته وعملاً بالمروءة ، ولكنه مع ذلك بقي على دينه ولم يعتنق الإسلام لذلك وصارت مهمته شاقة ومركزه حرجاً فأمامه قريش متعصبة لدينها وقد أغضبها قيام محمد صلى الله عليه وسلم بنشر الإسلام ومحاربة الأصنام ، وصاحب الدعوة لا يثنيه عن القيام بما أمر به سخرية ساخر أو اضطهاد مضطهد ، فلو أن أبا طالب أسلم لكان دفاعه أعظم وحجته أبلغ أمام العرب وأحكم ، لكنه ظل على دين آبائه ودافع عن رسول الله لا عن عقيدة بل أداء لواجب القرابة ، وفي هذه المرة مشوا إلى أبي طالب بعمارة بن الوليد ، فقالوا : يا أبا طالب هذا عمارة بن الوليد فتى قريش وأشعرهم وأجملهم فخذه فلك عقله ونصرته فاتخذه ولداً وأسلم لنا ابن أخيك هذا الذي سفه أحلامنا وخالف دينك ودين آبائك وفرق جماعة قومك نقتله فإنما رجل برجل ، فقال : والله لبئس ما تسومونني ! ! أتعطونني ابنكم أغذوه لكم وأعطيكم ابني تقتلونه ؟ هذا والله لا يكون أبداً ، فقال المطعم بن عدي بن نوفل بن عبد مناف : لقد أنصفك قومك وما أراك تريد أن تقبل منهم شيئاً ، فقال : والله ما أنصفوني ولكنك قد أجمعت خذلاني ومظاهرة القوم عليّ فاصنع ما بدا لك ، وكل عاقل يرى أن ما عرضته قريش على أبي طالب في غاية السخف لكنهم كانوا يتلمسون الحيل للخلاص من صاحب الدعوة صلى الله عليه وسلم بأي حال ، فلما يئسوا من إجابة طلبهم اشتدت قريش على من أسلم فوثبت كل قبيلة على من فيها من المسلمين يعذبونهم ويفتنونهم عن دينهم ، وقام أبو طالب في بني هاشم فدعاهم إلى منع رسول الله صلى الله عليه وسلم فأجابوا إلى ذلك .

تعذيب المسلمين :

أخذت قريش تؤذي النبي صلى الله عليه وسلم وتؤذي من آمن به حتى عذبوا جماعة من المستضعفين عذابا شديدا يدل على مبلغ تعصبهم وقسوتهم . فمن الذين عذبوا لأجل إسلامهم :

  1.  بلال بن رباح الحبشي رضي الله عنه .
  2.  عمّار بن ياسر ( وأبوه وأمه سمية ) رضي الله عنهم .
  3.  خبّاب بن الأرت رضي الله عنه .
  4. أبا يحيى صهيب بن سنان الرومي رضي الله عنه .
  5. عامر بن فهيرة رضي الله عنه .
  6. لبيبة جارية بني مؤمل بن حبيب بن كعب رضي الله عنها .

–  انتهى –

                                   فاللهم صل وسلم على نبينا وحبيبنا محمد ” عليه الصلاة والسلام “

المراجع :

–        من كتاب محمد صلى الله عليه وسلم للمؤلف أ . محمد رضا رحمه الله –  فصل : قريش تفاوض أبا طالب في أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم المفاوضة الأولى ، المفاوضة الثانية ، المفاوضة الثالثة ، تعذيب المسلمين .

سر على طريق الرسول محمد

من سار على طريق الرسول صلى الله عليه وسلم ومنهاجه وإن اقتصد فإنه يسبق من سار على غير طريقه وإن اجتهد .

شعر :

من لي بمثل سيرك المذلل    تمشي رويدا وتجي في الأول . انتهى .

فاللهم صل وسلم على نبينا محمد ” عليه الصلاة والسلام “

المرجع : من كتاب لطائف المعارف فيما لمواسم العام من وظائف .

للمؤلف : الإمام ابن رجب الحنبلي رحمه الله .

فصل : وظيفة شهر ذى القعدة .

مبحث : فضل العلم .