تذكر صلح الحديبية كلما مررت بنقطة تفتيش الشميسي ….

بسم الله الرحمن الرحيم
تذكر صلح الحديبية كلما مررت بنقطة تفتيش الشميسي على طريق مكة المكرمة  
الحديبية : موضع خارج حدود الحرم عرف باسم بئر هناك على طريق مكة جدة القديم ويعرف الآن بالشميسي نسبة  إلى بئر شميس كما ذكره الفاسي ( المتوفي : 832 هـ ) وبه مسجد حديث يبعد 24 كم عن المسجد الحرام و 2 كم عن حد الحرم ويليه أثر المسجد القديم المبني بالحجر الأسود والجص ومسافة ما بين المسجد الحرام وحد الحرم 22 كم .
أحداث وقعت في الحديبية ( الشميسي الآن )  
1.بيعة الرضوان : لقد تمت بالحديبية بيعة الرضوان سنة 6 هـ وسببها أن النبي صلى الله عليه وسلم جاء مع أصحابه إلى مكة للعمرة فمنعتهم قريش وهو بالحديبية فأرسل عثمان بن عفان رضي الله عنه ليتفاوض معهم فلما تأخر وأشيع أنه قٌتل بايعهم النبي صلى الله عليه وسلم على الموت لقتال قريش وأن لا يفروا ونزل في ذلك ( إن الذين يبايعونك إنما يبايعون الله … ) ” الفتح 10″ و ( لقد رضي الله عن المؤمنين إذ يبايعونك تحت الشجرة … ) ” الفتح 18 “ فعرفت هذه البيعة بيعة الرضوان .
2.صلح الحديبية : رجع عثمان رضي الله عنه سالما وعرضت قريش أمر الصلح  وتم ذلك بعد مفاوضات وعرف بصلح الحديبية  نسبة إلى هذا المكان  . ونزل في ذلك أثناء عودته صلى الله عليه وسلم إلى المدينة المنورة بعد صلح الحديببة : ( إنا فتحنا لك فتحا مبينا … ) إلى قوله تعالى ( وكان ذلك عند الله فوزا عظيما ) ” الفتح 1-5 “
3.معجزة نبع الماء من بئر : عن البراء قال : كنا يوم الحديبية أربع عشرة مائة والحديبية بئر فنزحناها حتى  لم نترك فيها قطرة  فجلس النبي صلى الله عليه وسلم على شفير لبئر فدعا بماء فمضمض ومجّ في البئر فمكثنا غير بعيد ثم استقينا حتى روينا وروت ركائبنا .
4.معجزة نبع الماء من أصابعه صلى الله عليه وسلم : عن جابر قال : عطش الناس يوم الحديبية والنبي صلي الله عليه وسلم بين يديه ركوة * فتوضأ فجهش الناس نحوه فقال : مالكم ؟ قالوا : ليس  عندنا ماء نتوضأ ولا نشرب إلا ما بين يديك  فوضع يده في الركوة فجعل الماء يثور بين أصابعه كأمثال العيون فشربنا وتوضأنا قلت : كم كنت  قال لو كنا مائة ألف كنا خمس عشرة مائة .
·       الركوة : إناء صغير من جلد يشرب فيه الماء والدلو الصغيرة جمعة ركاء ” المعجم الوسيط ” .
فضلاً وليس أمراً قل ( اللهم ارحم موتى المسلمين )
المرجع : من كتاب تاريخ مكة المكرمة قديما وحديثا
للمؤلف : د محمد إلياس عبد الغني  
 

ما ورد في فضل شهر شعبان


بسم الله الرحمن الرحيم
ما ورد في فضل شهر شعبان
صيام شعبان :
خرج الإمام أحمد والنسائي من حديث أسامة بن زيد قال كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يصوم الأيام يسرد حتى نقول : لا يفطر ويفطر الأيام حتى لا يكاد يصوم إلا يومين من الجمعة إن كان في صيامه وإلا صامها ولم يكن يصوم من الشهور ما يصوم من شعبان فقلت : يا رسول الله إنك تصوم حتى لا تكاد تفطر وتفطر حتى لا تكاد تصوم إلا يومين إن دخلا في صيامك وإلا صمتهما قال : أي يومين ؟ قال : يوم الاثنين ويوم الخميس  قال : ذانك يومان تعرض فيهما الأعمال على رب العالمين وأحب أن يعرض عملي وأنا صائم قلت : ولم أرك تصوم من الشهور ما تصوم من شعبان قال : ذاك شهر يغفل الناس عنه بين رجب ورمضان وهو شهر ترفع الأعمال فيه إلى رب العالمين عز وجل فأحب أن يرفع عملي وأنا صائم .
وفيهما عن أنس أنه سئل عن صيام النبي صلى الله عليه وسلم فقال : ما كنت أحب أن أراه من الشهر صائما إلا رأيته ولا مفطرا إلا رأيته ولا من الليل قائما إلا رأيته ولا نائما إلا رأيته (1) .
ولمسلم عنه قال كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يصوم حتى يقال قد صام قد صام ، ويفطر حتى يقال قد أفطر قد أفطر .
النهي عن صوم الدهر :
وقد كان رسول الله صلى الله عليه وسلم ينكر على من يسرد صوم الدهر ولا يفطر عنه ويخبر عن نفسه أنه لا يفعل ذلك ففي الصحيحين عن عبد الله بن عمرو أن النبي صلى الله عليه وسلم قال له : أتصوم النهار وتقوم الليل قال : نعم ، فقال النبي صلى الله عليه وسلم : (( لكني أصوم وأفطر وأصلي وأنام وأمس النساء فمن رغب عن سنتي فليس مني )) (2) .
وفيهما عن أنس أن نفرا من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم قال بعضهم : لا أتزوج النساء وقال بعضهم : لا آكل اللحم وقال بعضهم : لا أنام على الفراش فبلغ ذلك النبي صلى الله عليه وسلم فخطب وقال : (( ما بال أقوام يقولون كذا وكذا لكني أصلي وأنام وأصوم وأفطر وأتزوج النساء فمن رغب عن سنتي فليس مني )) (3) .  
(1)     متفق على صحته .
(2)     أخرجه البخاري ومسلم في كتاب الصيام في صوم الدهر .
(3)     هو في كتابي النكاح من صحيحيهما .
وفي صحيح البخاري أن سلمان زار أبا الدرداء وكان النبي صلى الله عليه وسلم قد آخى بينهما فرأى أم الدرداء متبذلة فقال : ما شأنك متبذلة ؟ فقالت : إن أخالك أبا الدرداء لا حاجة له في الدنيا فلما جاء أبو الدرداء قرب له طعاما قال له : كل فقال إني صائم فقال : ما أنا بآكل حتى تأكل فأكل فلما كان الليل ذهب أبو الدرداء ليقوم فقال له سلمان : نم ثم ذهب فقال له : نم فلما كان من آخر الليل قال سلمان : قم الآن فقاما فصليا فقال سلمان : إن لنفسك عليك حقا وإن لضيفك عليك حقا وإن لأهلك عليك حقا فأعط كل ذي حق حقه فأتيا النبي صلى الله عليه وسلم فذكر ذلك له فقال :        (( صدق سلمان )) .
وفي رواية في غير الصحيح : قال : (( ثكلت سلمان أمه لقد أشبع من العلم )) .
وقد ورد النهي عن صيام الدهر والتشديد فيه وهذا كله يدل على أن أفضل الصيام أن لا يستدام بل يعاقب بينه وبين الفطر وهذا هو الصحيح من قول العلماء وهو مذهب أحمد وغيره .
الحكمة في النهي عن صوم الدهر :
منها قوله صلى الله عليه وسلم في صيام الدهر : (( لا صام ولا أفطر )) يعني أنه لا يجد مشقة الصيام ولا فقد الطعام والشراب والشهوة لأنه صار الصيام له عادة مألوفة فربما تضرر بتركه فإذا صام تارة وأفطر أخرى حصل له بالصيام مقصوده بترك هذه الشهوات وفي نفسه داعية إليها وذلك أفضل من أن يتركها ونفسه لا تتوق إليها .
فالأول : مثل أن يضعف الصيام عن الصلاة أو عن الذكر أو عن العلم كما قيل في النهي عن صيام الجمعة ويوم عرفة أنه يضعف عن الذكر والدعاء في هذين اليومين .
وكان ابن مسعود يقل الصوم ويقول : إنه يمنعني من قراءة القرآن وقراءة القرآن أحب إلي فقراءة القرآن أفضل من الصيام نص عليه سفيان الثوري وغيره من الأئمة وكذلك تعلم العلم النافع وتعليمه أفضل من الصيام .
والثاني : مثل أن يضعف الصيام عن الكسب للعيال أو القيام بحقوق الزوجات فيكون تركه أفضل وإليه الإشارة بقوله صلى الله عليه وسلم (( إن لأهلك عليك حقا )) .
قال النبي صلى الله عليه وسلم : (( اكفلوا من العمل ما تطيقون فو الله لا يمل الله حتى تملوا )) . وقال صلى الله عليه وسلم : (( أحب العمل إلى الله أدومه وإن قل )) .
وقد يسأم ويضجر فيقطع العمل فيصير كالمنبت لا أرضا قطع ولا ظهرا أبقى .
ما جاء في صوم الاثنين والخميس :
والخميس ، فقيل له : يا رسول الله إنك تصوم الاثنين والخميس فقال :
(( إن يوم الاثنين والخميس يغفر الله فيهما لكل مسلم إلا مهتجرين فيقول دعوهما حتى يصطلحا )) . وخرجه الترمذي ولفظه  قال : تعرض الأعمال يوم الاثنين ويوم الخميس فأحب أن يعرض عملي وأنا صائم . وفي صحيح مسلم عن أبي هريرة مرفوعا (( تفتح أبواب الجنة يوم الاثنين ويوم الخميس فيغفر لكل عبد لا يشرك بالله شيئا إلا رجل كانت بينه وبين أخيه شحناء يقول : (( أنظروا هذين حتى يصطلحا )) .
صيام النبي صلى الله عليه وسلم :
وأما صيام النبي صلى الله عليه وسلم من أشهر السنة فكان يصوم من شعبان ما لا يصوم من غيره من الشهور وفي الصحيحين عن عائشة رضي الله عنها قالت : ما رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم استكمل صيام شهر قط إلا رمضان وما رأيته في شهر أكثر صياما منه في شعبان زاد البخاري في رواية (( كان يصوم شعبان كله )) .
ولمسلم في رواية : (( كان يصوم شعبان كله ، كان يصوم شعبان إلا قليلا )) .
وفي رواية للنسائي عن عائشة قالت : كان أحب الشهور إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يصوم شعبان كان يصله برمضان وعنها وعن أم سلمة قالتا : كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يصوم شعبان إلا قليلا بل كان يصومه كله .
وعن أم سلمة قالت : ما رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يصوم شهرين متتابعين إلا شعبان ورمضان . وأن صيام شعبان أفضل من صيام الأشهر الحرم ويدل على ذلك ما خرجه الترمذي من حديث أنس : سئل النبي صلى الله عليه وسلم أي الصيام أفضل بعد رمضان ؟ قال : شعبان تعظيما لرمضان وفي إسناده مقال .
معان في فضل صيام شعبان :
وقد ظهر بما ذكرناه وجه صيام النبي صلى الله عليه وسلم لشعبان دون غيره من الشهور وفيه معان أخر وقد ذكر منها النبي صلى الله عليه وسلم في حديث أسامة معنيين :
أحدهما : أنه شهر يغفل الناس عنه بين رجب ورمضان يشير إلى أنه لما اكتنفه شهران عظيمان الشهر الحرام وشهر الصيام اشتغل الناس بهما عنه فصار مغفولا عنه وكثير من الناس يظن أن صيام رجب أفضل من صيامه لأنه شهر حرام وليس كذلك .
وروى ابن وهب قال : حدثنا معاوية بن صالح عن أزهر بن سعد عن أبيه عن عائشة قالت : ذكر لرسول الله صلى الله عليه وسلم ناس يصومون رجبا فقال : (( فأين هم عن شعبان )) .
وذاكر الله في الغافلين كالشجرة الخضراء في وسط الشجر الذي تحات ورقه من الصرير )) والصرير : البرد الشديد وذاكر الله في الغافلين يغفر له بعدد كل رطب ويابس وذاكر الله في الغافلين يعرف مقعده في الجنة قال بعض السلف : ذاكر الله في الغافلين كمثل الذي يحمى الفئة المنهزمة ولولا من يذكر الله في غفلة الناس لهلك الناس .
الحكمة من صيام شعبان :
وقد قيل في صوم شعبان معنى آخر وهو أن صيامه كالتمرين على صيام رمضان لئلا يدخل في صوم رمضان على مشقة وكلفة بل يكون قد تمرن على الصيام واعتاده ووجد بصيام شعبان قبله حلاوة الصيام ولذته فيدخل في صيام رمضان بقوة ونشاط ولما كان شعبان كالمقدمة لرمضان شرع فيه ما يشرع في رمضان من الصيام وقراءة القرآن ليحصل التأهب لتلقى رمضان وترتاض النفوس بذلك على طاعة الرحمن .
وقال سلمة بن كهيل : كان يقال شهر شعبان شهر القراء .
وكان حبيب بن أبي ثابت إذا دخل شعبان قال : هذا شهر القراء وكان عمرو بن قيس الملائي إذا دخل شعبان أغلق حانوته وتفرغ لقراءة القرآن .
في نصف شعبان
خرج الإمام أحمد و أبو داود والترمذي والنسائي وابن ماجه وابن حبان في صحيحه والحكم من حديث العلاء بن عبد الرحمن عن أبيه عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : (( إذا انتصف شعبان فلا تصوموا حتى رمضان )) .
حكم صيام يوم النصف :
وأما صيام يوم النصف منه فغير منهي عنه فإنه من جملة أيام البيض الغر المندوب إلى صيامها من كل شهر وقد ورد الأمر بصيامه من شعبان بخصوصه ففي سنن ابن ماجه بإسناد ضعيف عن علي عن النبي صلى الله عليه وسلم : (( إذا كان ليلة نصف شعبان فقوموا ليلها وصوموا نهارها فإن الله تعالى ينزل فيها لغروب الشمس إلى سماء الدنيا فيقول : ألا مستغفر فأغفر له ؟ ألا مسترزق فأرزقه ؟ ألا مبتلى فأعافيه ؟ ألا كذا ألا كذا ؟ حتى يطلع الفجر )) (1) وفي فضل ليلة نصف شعبان أحاديث أخر متعددة وقد اختلف فيها فضعفها الأكثرون .
 ومن أمثلها حديث عائشة قالت : (( فقدت النبي صلى الله عليه وسلم فخرجت فإذا هو بالبقيع رافع رأسه إلى السماء فقال : أكنت تخافين أن يحيف الله عليك ورسوله ؟ فقلت : يا رسول الله ظننت انك أتيت بعض نسائك فقال : إن الله تبارك وتعالى ينزل ليلة النصف من شعبان إلى سماء الدنيا فيغفر لأكثر من عدد شعر غنم كلب )) خرجه الإمام أحمد والترمذي وابن ماجه وذكر الترمذي عن البخاري أنه ضعفه .
وخرج ابن ماجه من حديث أبي موسى عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : (( إن الله ليطلع ليلة النصف من شعبان فيغفر لجميع خلقه إلا لمشرك أو مشاحن )) .
(1)         إسناده ضعيف أخرجه ابن ماجه ( 1388 ) لضعف ابن أبي سبرة واسمه أبو بكر بن عبد الله بن محمد بن أبي سبرة قال فيه أحمد بن حنبل وابن معين : يضع الحديث وقال الألباني : حديث ضعيف جدا أو موضوع .
   ما ورد في تعظيم ليلة النصف :
واختلف علماء أهل الشام في صفة إحيائها على قولين :
أحدهما : أنه يستحب إحياؤها جماعة في المساجد ، كان خالد بن معدان ولقمان بن عامر وغيرهما يلبسون فيها أحسن ثيابهم ويتبخرون ويكتحلون ويقومون في المسجد ليلتهم تلك ووافقهم إسحاق بن راهويه على ذلك وقال في قيامها في المساجد جماعة ليس ذلك ببدعه نقله عنه حرب الكرماني في مسائله .
والثاني : إنه يكره الاجتماع فيها في المساجد للصلاة والقصص والدعاء ولا يكره أن يصلى الرجل فيها لخاصة نفسه وهذا قول الأوزاعي إمام أهل الشام وفقيههم وعالمهم وهذا هو الأقرب إن شاء الله تعالى .
ما روى عن عمر بن عبد العزيز في ذلك :
وقد روى عن عمر بن عبد العزيز أنه كتب إلى عامله إلى البصرة : عليك بأربع ليال من السنة فإن الله يُفرغ فيهن الرحمة إفراغا ، أول ليلة من رجب وليلة النصف من شعبان وليلة الفطر وليلة الأضحى وفي صحته عنه نظر .
وقال الشافعي رضي الله عنه : بلغنا أن الدعاء يستجاب في خمس ليال : ليلة الجمعة والعيدين وأول رجب ونصف شعبان قال : واستحب كل ما حكيت في هذه الليالي . ولا يُعرف للإمام أحمد كلام في ليلة نصف شعبان .
وروى عن كعب قال : إن الله تعالى يبعث ليلة النصف من شعبان جبريل عليه السلام إلى الجنة فيأمرها أن تتزين ويقول : إن الله تعالى قد أعتق في ليلتك هذه عدد نجوم السماء وعدد أيام الدنيا ولياليها وعدد ورق الشجر وزنة الجبال وعدد الرمال .
ما يجب على المؤمنين في ليلة النصف :
فينبغي للمؤمن أن يتفرغ في تلك الليلة لذكر الله تعالى ودعائه بغفران الذنوب وستر العيوب وتفريج الكروب وأن يقدم على ذلك التوبة فإن الله تعالى يتوب فيها على من يتوب .
 أعظم الذنوب عند الله :
وقد روى أنها الشرك وقتل النفس والزنا ، وهذه الثلاثة أعظم الذنوب عند الله كما في حديث ابن مسعود المتفق على صحته : أنه سأل النبي صلى الله عليه وسلم : أي الذنب أعظم ؟ قال : (( أن تجعل لله ندا وهو خلقك )) قال : ثم أي ؟ قال : (( أن تقتل ولدك خشية أن يطعم معك )) قال : ثم أي ؟ قال : (( أن تزاني حليلة جارك )) فأنزل الله تعالى تصديق ذلك : (( وَ الَّذِينَ لا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهاً آخَرَ وَلا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلاَّ بِالْحَقِّ وَلا يَزْنُونَ )) الآية ، ومن الذنوب المانعة من المغفرة أيضا الشحناء وهي حقد المسلم على أخيه بغضا له لهوى نفسه وذلك يمنع أيضا من المغفرة في أكثر أوقات المغفرة والرحمة كما في صحيح مسلم عن أبي هريرة رضي الله عنه مرفوعا :
(( تفتح أبواب الجنة يوم الاثنين والخميس فيغفر لكل عبد لا يشرك بالله شيئا إلا رجلا كانت بينه وبين أخيه شحناء فيقال : أنظروا هذين حتى يصطلحا )) وقد فسر الأوزاعي هذه الشحناء المانعة بالذي في قلبه شحناء لأصحاب النبي صلى الله عليه وسلم ولا ريب أن هذه الشحناء أعظم جرما من مشاحنة الأقران بعضهم بعضا ، وعن الأوزاعي أنه قال : المشاحن كل صاحب بدعة فارق عليها الأمة وكذا قال ابن ثوبان : المشاحن هو التارك لسنة نبيه صلى الله عليه وسلم ، الطاعن على أمته ، السافك دماءهم. 
وهذه الشحناء أعنى شحناء البدعة توجب الطعن على جماعة المسلمين واستحلال دمائهم وأموالهم وأعراضهم كبدع الخوارج و الروافض ونحوهم .
وقد رُوى عن عكرمة وغيره من المفسرين في قوله تعالى : (( فِيهَا يُفْرَقُ كُلُّ أَمْرٍ حَكِيمٍ )) أنها ليلة النصف من شعبان والجمهور على أنها ليلة القدر وهو الصحيح .
في صيام آخر شعبان
ثبت في الصحيحين عن عمران بن حصين أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لرجل :
(( هل صمت من سَرَرِ هذا الشهر شيئا ؟ قال : لا ، قال : فإذا أفطرت فصم يومين )) . وفي رواية للبخاري أظنه يعني رمضان .
وفي رواية لمسلم وعلقها البخاري : (( هل صمت من سَرَر شعبان شيئا ؟ )) وفي رواية : (( فإذا أفطرت من رمضان فصم يومين مكانه )) وفي رواية (( يوما أو يومين )) شك شعبة .
              إذا العشرون من شعبان ولت      
                                            فواصل شرب ليلك بالنهــــــــار
              ولا تشرب بأقداح صغـــــــار
                                            فإن الوقت ضاق على الصغــار
================
             يا صاحب الذنب لا تأمن عواقبه
                                          عواقب الذنب تُخشى وهي تنتظر
            فكل نفس ستجزى بالذي كســـبت
                                          وليس للخلق من ديـــــــانهم وَزَر
وروى أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يدعو ببلوغ رمضان فكان إذا دخل رجب يقول : (( اللهم بارك لنا في رجب وشعبان وبلغنا رمضان )) (1 ) خرجه الطبراني وغيره من حديث أنس .
(1)                 رواه الطبراني في الأوسط والبزار وفيه زائدة بن أبي الرقاد وفيه كلام وقد وثق .
  لقد أظلك شهرُ الصوم بهدهما      فـلا تُصيره أيضا شهر عصيان
     واتل القرآن وسبح فيه مجتهـدا      فإنـــه شهـــر تسبيـــح وقرآن
    فاحمل على جسد ترجو النجاة لـــه         فسوف تُضرم أجساد بنيـــران
    كم كنت تعرف ممن صام في سلف        من بين أهل وجيران وإخــوان
أفناهم الموت واستبقاك بعدهـــم         حيا فما أقربَ القاصي من الدانِ
    ومُعجب بثياب العيد يقطعهــــا         فأصيبحت في غدٍ أثوابَ أكفـان
حتى متى يعمر الإنسان مسكنـــه          مصيرُ مسكنه قبر الإنســـــان ؟    
 
 
من فضلك قل ( اللهم احقن دماء المسلمين في كل مكان )
المرجع من كتاب : لطائف المعارف
للمؤلف : ابن رجب الحنبلي رحمه الله

سر نجاحك أو فشلك في أسلوبك

بسم الله الرحمن الرحيم
 
سر نجاحك أو فشلك في أسلوبك
 
قد يكون الحق معك.. لكنك لا تحسن الوصول به .. ولا تجيد الدوران معه حول منعطفات الطريق لتتفادى المآزق وتتخطى العقبات وتبلغ به ما تريد وقد يكون الباطل مع غيرك ولكنه يلبسه ثوب الحق ثم يجيد الانطلاق معه حتى يصل به إلى حيث ينبغي أن يصل الحق
وترى أنت ذلك فتتألم له تألماً قد يكون ساكنا فيعزلك عن المجتمع وقد يكون صاخبا فتتضاعف معه أخطاؤك فيتنكر لك الناس كل ذلك والحق معك والباطل مع غيرك .
وقد يسوءك تنكر الناس لك فتتبرم بالحياة والناس وتصير إنسانا ساخطا متشائما ناقما على الجميع ثم على نفسك وعملك ويخسرك المجتمع .
ولا أطلب منك أن تجيد الالتواء والانثناء حتى تصل بحقك إلى مبتغاك ولكن أطلب منك أن تصبر وتثابر وتتشبت بالحق وتناضل في سبيلك وتؤمن أن العاقبة حتما لهذا الحق …
 
فضلا وليس أمرا قل ( اللهم أنر على أهل القبور قبورهم )
 
 
المرجع : من كتاب كيف نفهم الإسلام
                                                                      لمحمد الغزالي رحمه الله تعالى

 

فصل من أخبار مدعي النبوة

 

الحق لا يشتبه بباطل إنما يموه الباطل عند من لا يفهم له ، وهذا في حق من يدعي النبوات وفي حق من يدعي الكرامات أما النبوات فإنه قد ادعاها خلق كثير ظهرت قبائحهم وبانت فضائحهم ومنها ما يوجبه خسة الهمة والتهتك في الشهوات والتهافت في الأقوال والأفعال حتى افتضحوا . ومنهم

1) الأسود العنسي :

الأسود العنسي ادعى النبوة ولقب نفسه ذا الخمار لأنه كان يقول يأتيني ذو الخمار ، وكان أمر أمره كاهناً يشعوذ فيظهر الأعاجيب فخرج في أواخر حياة النبي صلى الله عليه وسلم فكاتبته مذحج وواعد نجران وأخرجوا عمرو بن حزم وخالد بن سعيد صاحبي رسول الله صلى الله عليه وسلم وصفا له اليمن وقاتل شهر بن باذام فقتله وتزوج بنته فأعانت على قتله فهلك في حياة رسول الله صلى الله عليه وسلم وبان للعقلاء أنه كان يشعبذ .

2) مسيلمة الكذاب :

مسيلمة الكذاب ادعى النبوة وتسمى رحمان اليمامة ، لأنه كان يقول : الذي يأتيني رحمان فآمن برسول الله صلى الله عليه وسلم وادعى أنه قد أشرك معه فالعجب أنه يؤمن برسول الله ويقول أنه كذاب ثم جاء بقرآن يضحك الناس مثل قوله : يا ضفدع بنت ضفدعين نقي ما تنقين أعلاك في الماء وأٍسفلك في الطين . ومن العجائب شاة سوداء تحلب لبناً أبيض ، فانتهك ستره في هذه الفصاحة ثم مسح بيده على رأس صبي فذهب شعره وبصق في بيئر وتزوج سجاح التي ادعت النبوة . فقالوا لابد لها من مهر فقال: مهرها أني قد أسقطت عنكم صلاة الفجر والعتمة .

3) سجاح بنت الحارث التميمية :

وكانت سجاح هذه قد ادعت النبوة بعد موت النبي صلى الله عليه وسلم فاستجاب لها جماعة ، فقال أعدوا الركاب واستعدوا للنهاب ثم اعبروا على الرباب فليس دونهم حجاب فقاتلوهم ثم قصد اليمامة فهابها مسيلمة فراسلها وأهدى لها فحضرت عنده فقالت : اقرأ عليّ ما يأتيك به جبريل فقال إنكن معشر النساء خلقتن أفواجاً وجعلتن لنا أزواجاً نولجه فيكن إيلاجاً : فقالت صدقت أنت نبي . فقال لها قومي إلى المخدع فقد هيئ لك المضجع فإن شئت ملقاة وإن شئت على أربع وإن شئت بثلثيه وإن شئت به أجمع فقالت : بل به أجمع فهو للشمل أجمع فافتضحت عند العقلاء من أصحابها فقال منهم عطارد بن حاجب :

أضحت نبيتنا أنثى يطاف بها وأصبحت أنبياء الناس ذكراناج
فلعنة الله رب الناس كلهم على سجاح ومن بالإفك أغواناج
أعني مسيلمة الكذاب لا سقيتج أصداؤه من رعيث حيثما كاناجج

ثم إنها رجعت عن غيّها وأسلمت وما زالت تبين فضائع مسيلمة حتى قتل .

4) طلحة بن خويلد :

ومنهم طلحة بن خويلد خرج بعد دعوى مسيلمة النبوة وتبعه أقوام ونزل سميرا فتسمى بذي النون ويقول إن الذي يأتيه يقال له : ذو النون وكان من كلامه : إن الله لا يصنع بتعفير وجوهكم ولا قبح أدباركم شيئاً فاذكروا الله أعفة قياماً ، ومن قرآنه والحمام اليمام والصرد الصوام ليبلغن ملكنا العراق والشام وتبعه عيينة بن حصن فقاتله خالد بن عيينة فجاء عيينة إلى طليحة فقال : ويحك أجاءك الملك ؟ قال : لا فارجع فقاتل فقاتل ثم عاد فقال أجاءك ؟ فقال : لا فعاد فقاتل فقال : أجاءك ؟ قال : نعم . قال : ما قال لك ؟ إن لك جيشاً لا تنساه فصاح عيينة بالرجل : والله كذاب فانصرف الناس منهزمين وهرب طليحة إلى الشام ثم أسلم وصح إسلامه وقتل بنهاوند

5) جندب بن كلثوم :

وذكر الواقدي : أن رجلاً من بني يربوع يقال له : جندب بن كلثوم كان يلقب : كردانا ادعى النبوة على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم وكان يزعم أن دليله على نبوته أن يسرج مسامير الحديد والطين وهذا لأنه كان يطلي ذلك بدهن البيلسان فتعمل به النار .

6) كهمش الكلابي :

وقد تنبأ رجل يقال له كهمش الكلابي وكان يزعم أن الله تعالى أوحى إليه : يا أيها الجائع اشرب لبناً تشبع ، ولا تضرب الذي لا ينفع ، فإنه ليس بمقنع ، وزعم أن دليله على نبوته : أنه يطرح بين السباع الضارية فلا تأكله . وحيلته في ذلك أنه يأخذ دهن الغار وحجر البرسان وقنفدا محرقا وزبد البحر وصدفا محرقا مسحوقا وشيئا من الصبر والحبط فيطلي به جسمه فإذا قربت منه السباع ، فشمت تلك الأرياح زفورتها نفرت .

7) أبو جعوانة العامري :

وقد تنبأ بالطائف رجل يقال له أبو جعوانة العامري وزعم أن دليله أنه يطرح في النار القطن فلا يحترق وهذا لأنه يدهنه بدهن معروف .

8) هذيل بن يعفور من بني سعد بن زهير :

ومنهم هذيل بن بعفور من بني سعد بن زهير حكى عنه الأصمعي : أنه عارض سورة الإخلاص فقال ( قل هو الله أحد ، إله كالأسد ، جالس على الرصد ، لا يفوته أحد )

9) هذيل بن واسع :

ومنهم هذيل بن واسع كان يزعم أنه ولد النابغة الذبياني وعارض سورة الكوثر فقال له رجل : ما قلت ؟ فقال : ( إنا أعطيناك الجواهر فصل لربك وجاهر فما يردنك إلا كل فاجر ) . فظهر عليه السنوي فقتله وصلبه على العمود فعبر عليه الرجل فقال : ( إنا أعطيناك العمود فصل لربك من قعود بلا ركوع ولا سجود فما أراك تعود ) .

10) المختار بن أبي عبيد الثقفي :

وممن ظهر فادعى أنه يوحى إليه المختار بن أبي عبيد الثقفي وكان متخبطاً في دعواه وقتل خلقاً كثيراً وكان يزعم أنه ينصر الحسين – رضوان الله عليه – ثم قتل .

11) حنظلة بن يزيد الكوفي :

ومنهم حنظلة بن يزيد الكوفي كان يزعم أن دليله : أنه يدخل البيضة في القنينة ويخرجها منها صحيحة وذاك أنه كان ينقع البيضة في الخل الحامض فيلين قشرها ثم يصب ماءً في قنينة ثم يدس البيضة فيها فإذا لقيت الماء صلبت

وقد تنبأ أقوام قد نبينا محمد صلى الله عليه وسلم كزرداشت وماني وافتضحوا وما من المدعين إلا من خذل .

وقد جاءت القرامطة بحيل عجيبة وقد ذكرت جمهور هؤلاء وحيلهم في كتابي التاريخ المسمى ( المنتظم ) وما فيهم من يتم له أمر إلا ويفتضح .

ودليل صحة نبوة نبينا محمد صلى الله عليه وسلم أجلى من الشمس فإنه ظهر فقيراً والخلق أعداؤه فوعد بالملك فملك وأخبر بما سيكون فكان وصين في زمن النبوة عن الشره وخساسة الهمة والكذب والكبر وأيد بالثقة والأمانة والنزاهة والعفة وظهرت معجزاته للبعيد والقريب وأنزل عليه الكتاب العزيز الذي حارت فيه عقول الفصحاء ولم يقدروا على الإتيان بآية تشبهه فضلاً عن سورة وقد قال قائلهم وافتضح ثم أخبر أنه لا يعارض فيه فكان كما قال وذلك قوله تعالى : ( فأتوا بسورة ) ” يونس : 38 ” ثم قال ( فإن لم تفعلوا ولن تفعلوا ” البقرة : 24 ” وكذلك قوله : ( فتمنوا الموت إن كنتم صادقين – ولن يتمنوه ) ” البقرة : 94- 95 ” فمنا تمناه أحد إذ لو قال قائل : قد تمنيته لبطلت دعواه ، وكان يقول ليلة غزاة بدر : ( غداً مصرع فلان هاهنا ) فلا يتعداه وقال : ( إذا هلك كسرى فلا كسرى بعده ، وإذا هلك قيصر فلا قيصر بعده ) فما ملك بعدهما من له كبير قدر ولا من استتب له حال …. ونكتفي بهذا القدر بالرغم من أن كلام المؤلف لم ينتهي .

المرجع :

صيد الخاطر ، الإمام ابن الجوزي رحمه الله ، ط / اليمامة ” 432 – 438 ” ، فصل : في أخبار مدعي النبوة ، بتصرف.

قطوف من سيرة الحسن بن علي رضى الله عنه

بسم الله الرحمن الرحيم
 
قطوف من سيرة  
الحسن بن علي رضي الله عنه وعن أبيه
سنة 3هـ ( 625م ) – 49هـ ( 669م )
 
الحسن بن علي بن أبي طالب بن عبد المطلب بن هاشم بن عبد مناف القرشي الهاشمي ، سبط النبي صلى الله عليه وسلم ، وهو أول أولاد فاطمة بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم ، سيدة نساء العالمين ، وهو سيد شباب أهل الجنة وريحانة النبي صلى الله عليه وسلم وشبيهه ، سمَّاه رسول الله الحسن وعقّ عنه يوم سابعه ( ذبح شاة ) وحلق شعره وأمر أن يتصدق بزنة شعره فضة ، وهو خامس أهل الكساء ( المجد والشرف ) .
ولد الحسن في النصف من شهر رمضان بالمدينة المنورة سنة ثلاث من الهجرة . قالت أم الفضل : يا رسول الله رأيت كأن عضواً من أعضائك في بيتي ، قال : (( رأيت خيراً ، تلد فاطمة غلاماً فترضعيه بلبن قثم )) ، فولدت الحسن فأرضعته بلبن قثم ( ابنها )
تسميته بالحسن :
قال علي بن أبي طالب رضي الله عنه : لما ولد الحسن جاء رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال : (( أروني ابني ما سميتموه ؟ )) قلت : سميته حرباً . قال : (( بل هو حسن )) فلما ولد الحسين سميناه حرباً قال : (( بل هو الحسين )) فلما ولد الثالث ، جاء النبي صلى الله عليه وسلم فقال : (( أروني ابني ما سميتموه )) ؟ قلت : سميته حرباً ، قال : (( هو مُحسن )) ثم قال : (( سميتهم بأسماء ولد هارون شبر وشبير ومشبر )) . وتوفي محسن صغيراً .
قال أبو أحمد العسكري : سمَّاه النبي صلى الله عليه وسلم الحسن وكنَّاه أبا محمد ولم يكن يعرف هذا الاسم في الجاهلية .
صفته رضي الله عنه :
كان الحسن أبيض ، مشرباً بحمرة ، أدعج العينين ، سهل الخدين ، كثّ اللحية وكان يخضب بالوسمة .
 أخلاقه وفضائله رضي الله عنه :
كان الحسن حليماً كريماً ورعاً ذا سكينة ووقار وحشمة ، جواداً ممدوحاً ميالاً للسلم يكره الفتن وإراقة الدماء ، ما سمعت منه كلمة فحش قط إلا أنه كان كثير الزواج مطلاقاً  للنساء ولا يفارق امرأة إلا وهي تحبه وكان أبوه رضي الله عنه يأخذ عليه كثرة الطلاق ويخشى عواقبها حتى قال : يا أهل الكوفة لا تزوّجوا الحسن فإنه رجل مطلاق . فقال رجل من همدان : والله لنزوّجنه فمن رضي أمسك ومن كره طلّق .
تربيته ومحبة رسول الله صلى الله عليه وسلم له :
لما كان الحسن والحسين رضي الله عنهما ابني بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبوهما علي بن أبي طالب ابن عم الرسول وربيبه فقد تربيا تربية عالية ونشآ على الفضائل في بيئة من أرقى البيئات وأشرفها وقد سمعا الحديث وكان عليه الصلاة والسلام يحبهما ويرعاهما ويعلمهما .
وفي الحديث : (( هذان ابناي وابنا ابنتي ، اللهم إني أحبهما فأحبهما وأحب من يحبهما )) .
وكان رسول الله يصلي فإذا سجد وثب الحسن والحسين على ظهره فإذا أرادوا أن يمنعوهما أشار إليهم أن دعوهما فإذا قضى الصلاة وضعهما في حجره فقال : (( من أحبني فليحبّ هذين )) .
وفي البخاري عن أبي بكرة : رأيت النبي صلى الله عليه وسلم على المنبر والحسن بن علي معه وهو يقبل على الناس مرة وعليه مرة ويقول : (( إن ابني هذا سيد ولعل الله أن يصلح به بين فئتين من المسلمين )) . قال : فلما ولي لم يهرق في خلافته محجمة من دم
ولا شك أن الحسن والحسين ورثا عن جدهما وأبيهما فصاحة اللسان وقوة الجنان وحضور البديهة والكرم والحلم وقد تعلما القرآن والتفسير من عليّ رضي الله عنه وأهل بيته وكبار الصحابة وتلقيا الحديث عنهم وكان عليّ يقول الشعر وينطق بالحكمة وكذلك نشأ ولداه رضي الله عنهما .
 أولاد الحسن رضي الله عنه
أولاد الحسن رضي الله عنه أحد عشر وهم :
1-             زيد .
2-             والحسن وأمه خولة بنت منصور الفزارية .
3-             والقاسم .
4-             وأبو بكر .
5-             وعبد الله – وهؤلاء الخمسة قتلوا مع عمهم الحسين بن علي بالطّفّ ، وهي أرض من ضاحية الكوفة في طريق البرية فيها كان مقتل الحسين بن علي رضي الله عنهما .
6-             وعمرو بن الحسن .
7-             وعبد الرحمن .
8-             والحسين الملقب بالأشرم .
9-             ومحمد .
10-        ويعقوب .
11-        وإسماعيل .
بيعة الحسن رضي الله عنه سنة 40هـ ( 661م )
بعد أن ضرب ابن ملجم علياً رضي الله عنه ، دخل عليه جندب بن عبد الله فسأله فقال : يا أمير المؤمنين إن فقدناك ولا نفقدك فنبايع الحسن ، فقال : ما آمركم ولا أنهاكم أنتم أبصر فدعا حسناً وحسيناً فقال :
أوصيكما بتقوى الله وألا تبغيا الدنيا وإن بغتكما ولا تبكيا على شئ زوى عنكما وقولا الحق وارحما اليتيم وأغيثا الملهوف واصنعا للآخرة وكونا للظالم خصماً وللمظلوم ناصراً واعملا بما في كتاب الله ولا تأخذكم في الله لومة لائم .
بويع للحسن بالكوفة في شهر رمضان من سنة 40هـ بعد وفاة أبيه بيومين وقيل إن أول من بايعه قيس بن سعد الأنصاري ، قال له : ابسط يدك أبايعك على كتاب الله عزّ وجلّ وسنة نبيه وقتال المُحِلين .
فقال له الحسن رضي الله عنه : على كتاب الله وسنة نبيه فإن ذلك يأتي على كل شرط . فبايعه وبايعه الناس وكان الذين بايعوه 40.000 .
لما بايع أهل العراق الحسن بلغه مسير معاوية في أهل الشام إليه في جيش قدره 60.000 فتجهز هو والجيش الذين بايعوا علياً وعدته 40.000 مقاتل وسار عن الكوفة إلى لقاء معاوية وكان قد نزل ( مَسْكِن ) فوصل الحسن إلى المدائن وجعل قيس بن سعد الأنصاري على مقدمته في اثني عشر ألفاً . وقيل : بل كان الحسن قد جعل على مقدمته عبد الله بن عباس فجعل عبد الله على مقدمته في الطلائع قيس بن سعد فلما نزل الحسن المدائن نادى مناد في العسكر : ألا إن قيس بن سعد قتل فانفروا ، فنفروا بسرداق الحسن فنهبوا متاعه حتى نازعوه بساطاً كان تحته .
وعدا عليه الجراح بن الأسد ليسير معه فوجأه بالخنجر في فخذه ليقتله فقال الحسن:
قتلتم أبي بالأمس ووثبتم عليّ اليوم تريدون قتلي زهداً في العادلين ورغبة في القاسطين والله لتعلمن نبأه بعد حين .
نزول الحسن عن الخلافة لمعاوية سنة 41هـ ( 661م ) عام الجماعة
تفرق أهل العراق عن الحسن رضي الله عنه ولم يستطع تأليف جيش منهم لمحاربة معاوية فكتب إليه وذكر له شروطاً وقال له : إن أنت أعطيتني هذا فأنا سامع مطيع وعليك أن تفي لي به . وقال لأخيه الحسين وعبد الله بن جعفر : إنني قد راسلت معاوية في الصلح فقال له الحسين : أنشدك الله أن تصدق أحدوثة معاوية وتكذب أحدوثة أبيك ! فقال له الحسن : أسكت أنا أعلم بالأمر منك .
وكان رأي الحسين رضي الله عنه أن يحارب الحسن معاوية كما حاربه أبوه علي رضي الله عنه لكن الحسن علم تفرق الأمر عنه وأنه لو حارب معاوية بجيش غير متحد وغير راغب في القتال لما أحرز النصر فأراد أن يحقن دماء المسلمين ويصالح معاوية .
فلما سلم الحسن الأمر إلى معاوية طلب أن يعطيه الشروط التي في الصحيفة التي ختم عليها معاوية فأبى وقال : لقد أعطيتك ما كنت تطلب فلما اصطلحا قام الحسن في أهل العراق فقال :
إنه سخَّي بنفسي عنكم ثلاث : – أي الأسباب التي جعلتني أتخلى عنكم وأزهد فيكم وأسلم الأمر إلى معاوية – قتلكم أبي ، وطعنكم إياي – وكان قد طُعن – وانتهابكم متاعي يعني أنه قد فقد الثقة بهم .
وجاء الحسن شيخ يكنى أبا عامر سفيان بن ليلى فقال : السلام عليكم يا مذلَّ المؤمنين فقال : لا تقل يا أبا عامر فإني لم أذل المؤمنين ولكني كرهت أن أقتلهم في طلب الملك . وسلم الحسن الأمر إلى معاوية في النصف من شهر جمادى الأولى من سنة 41هـ فبايع الناس معاوية يومئذٍ وهو ابن ست وستين إلا شهرين .
الحسن يصف أهل الكوفة
لحق الحسن بالمدينة وأهل بيته وحشمه وجعل الناس يبكون عند مسيرهم من الكوفة فقيل للحسن : ما حملك على ما فعلت ؟ فقال : كرهت الدنيا ورأيت أهل الكوفة قوماً لا يثق بهم أحد أبداً إلا غُلب ، ليس منهم أحد يوافق آخر في رأي ولا هوى مختلفين لا نيّة لهم في خير ولا شر ، لقد لقي أبي منهم أموراً عظاماً فليت شعري لمن يصلحون بعي وهي أسرع البلاد خراباً .
هذا ما وصف به الحسن أهل الكوفة وإذا كان في الاتحاد قوة ففي التدابر والفرقة ضعف فإذا كان أهل الكوفة هكذا متفرقين في الرأي لا تجمعهم كلمة فكيف يقاتلون عدوهم ؟ وكيف يثق بهم القائد ؟ إن أول شرط في الجيش أن يكون مطيعاً لأمر القائد وإلا فشل وانهزم .
وفاة الحسن رضي الله عنه سنة 49هـ ( 669م )
توفي الحسن رضي الله عنه بالمدينة سنة 49 هجرية بعدما مضى من إمارة معاوية عشر سنين . ودفن بالبقيع وصلى عليه سعيد بن العاص وكان أميراً بالمدينة ، قدمه الحسين للصلاة على أخيه رضي الله عنهما وقال : لولا أنها سنة ما قدمتك .
وقد سمَّته امرأته جعدة بنت الأشعث بن قيس الكندي وقالت طائفة كان ذلك منها بتدسيس معاوية إليها وما بذل لها في ذلك وكان لها ضرائر غير أن هذا غير ثابت وبقي مريضاً أربعين يوماً .
ودخل الحسين على الحسن رضي الله عنهما في مرضه فقال : يا أخي إني سقيت السم ثلاث مرات فلم أسق مثل هذه المرة إني لأضع كبدي ، فقال الحسين : من سقاك يا أخي ؟ قال : ما سؤالك عن هذا ؟ أتريد أن تقاتلهم ، كِلْهم إلى الله .
ذكر بعض أقوال الحسن رضي الله عنه
حسن السؤال نصف العلم ، وقال : من بدأ بالكلام قبل السلام فلا تجيبوه وسئل عن الصمت فقال : هو سر العي وزين العرض وفاعله في راحة وجليسه في أمن .
يا ابن آدم عف عن محارم الله تكن عابداً وارض بما قسم الله لك تكن غنياً وأحسن جوار من جاورك تكن مسلماً وصاحب الناس بمثل ما تحب أن يصاحبوك به تكن عادلاً .
وقيل : سأله أبوه يوماً قائلاً : يا بني ما السداد ؟ فقال : دفع المنكر المعروف ، قال : فما الشرف ؟ قال : اصطناع العشيرة والاحتمال للجزيرة ، قال : فما السماح ؟ قال : البذل في العسر واليسر ، قال : فما اللؤم ؟ قال : إحراز المرء ماله وبذله عرضه ، قال : فما الجبن ؟ قال : الجراءة على الصديق والنكول عن العدو ، قال : فما الغنى ؟ قال : رضى النفس بما قسم الله لها وإن قلّ ، قال : فما الحلم ؟ قال : كظم الغيظ وملك النفس ، قال : فما المنعة ؟ قال : شدة البأس ومنازعة أعز الناس ، قال : فما الذل ؟ قال : الفزع عند الصدمة ، قال : فما الكلفة ؟ قال : كلامك فيما لا يعنيك ، قال : فما المجد ؟ قال : أن تعطي في الغرم وتعفو في الجرم . قال : فما السؤدد ؟ قال : إتيان الجميل وترك القبيح ، قال : فما السفه ؟ قال : اتباع الدناءة ومحبة الغواية قال : فما الغفلة ؟ قال : ترك المسجد وطاعة المفسد .
ويقول : هلاك الناس في ثلاث : في الكِبْرِ والحرص والحسد ، فالكبر هلاك الدين وبه لعن إبليس ، والحرص عدو النفس وبه أخرج آدم من الجنة ، والحسد رائد السوء ومنه قتل قابيل وهابيل .
ويقول لبنيه وبني أخيه : تعلموا العلم فإن لم تستطيعوا حفظه فاكتبوه وضعوه في بيوتكم .
 
فضلاً وليس أمراً قل ( اللهم اشف كل مريض )  
 
 
المرجع من كتاب الحسن والحسين سيدا شباب الجنة
 
للمؤلف محمد رضا رحمه الله
 
 
 
 


Go to group website
Remove me from the group mailing list