23. قطوف من السيرة المحمدية ” نبينا الكريم شخصية تخطيطية من الدرجة الأولى “

                   بسم الله الرحمن الرحيم

قطوف من السيرة المحمدية

على صاحبها أفضل الصلاة وأزكى التسليم

 ” العناوين “

تعريف التخطيط ، التخطيط في المجتمع الإسلامي بمكة ، رب العزة والجلال يخطط لنبيه صلى الله عليه وسلم آلية الدعوة ، النبي الكريم صلى الله عليه وسلم شخصية تخطيطية من الدرجة الأولى ، دورس وعبر من الهجرة الأولى والثانية للحبشة ، المراجع .

” التفاصيل “

تعريف التخطيط :

التخطيط هو دراسة البدائل المختلفة لأداء عمل معين ثم الوصول إلى أفضل البدائل الممكنة والتي تحقق هدفا معينا في وقت معين ، وفي حدود الامكانات المتاحة تحت الظروف والملابسات القائمة .

ويعتبر التخطيط من أهم وظائف القيادة الإدارية ، بل هو أول المراحل الإدارية لأي عمل عام .

التخطيط في المجتمع الإسلامي بمكة :

لقد كان المجتمع الاسلامي في بداية نشأته مجتمعا صغيرا يقوم على منهج محدد هو الدعوة إلى عبادة الله في الأرض ، وإقامة العدل والمساواة بين المسلمين ومن خالطهم من الناس .

والمجتمع الاسلامي في مختلف عصوره قد شهد صورا كثيرة من التخطيط ولم يكن ثمة خلاف بينه وبين التخطيط المعاصر إلا في الوسائل وحجم الخطة ، ولكنه في واقعه كان يشتمل على عناصر الإعداد والتنفيذ ويدخل في كافة نشاط الدولة السياسية والدينية والاجتماعية والاقتصادية والحربية .

رب العزة يخطط لنبيه الكريم صلى الله عليه وسلم آلية الدعوة وكيفيتها :

السياسات العامة والمبادئ والأسس التي تقوم عليها الدولة المسلمة هي من وضع الله سبحانه وتعالى . فهو جل شأنه يضع السياسة العامة ويبلغها الرسول صلى الله عليه وسلم ليقوم بالتنفيذ المرحلي مهتديا بالأسس والمبادئ المنزلة ، ومعتمدا على ما يناسب الظرف المعين حسبما يقرره هو ومستشاروه .

ظلت دعوة الرسول صلى الله عليه وسلم تعمل في الخفاء بضع سنوات قبل أن يأذن الله له بالجهر بها في قوله تعالى ( فاصدع بما تؤمر وأعرض عن المشركين ) ، وخطط له الله سبحانه وتعالى أن يبدأ بانذار عشيرته الأقربين لأنهم أولى ولأنهم إذا اقتنعوا بدعوته كان ذلك أدعى لبقية  الناس بالاقتناع بها فقال : ( وأنذر عشيرتك الأقربين واخفض جناحك لمن اتبعك من المؤمنين ، فإن عصوك فقل إني بريء مما تعملون وتوكل على العزيز الرحيم … )

 ومن جانب آخر حدد لنبيه الكريم صلى الله عليه وسلم أسلوب الدعوة فقال : ( ادع إلى سبيل ربك بالحكمة والموعظة الحسنة وجادلهم بالتي هي أحسن إن ربك هو أعلم بمن ضل عن سبيله وهو أعمل بالمهتدين ) ” سورة النحل – 125 ” .

نبينا الكريم شخصية تخطيطية من الدرجة الأولى :

التخطيط لتنفيذ السياسة العامة وهي دعوة الناس للإيمان بالله والتمسك بذلك الإيمان ومزاولة شعائره فقد ظهرت بادئ ذي بدء في أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم للمسلمين بالهجرة الأولى عند اشتداد وطأة قريش واضطادهم للمسلمين كما أسلفنا من قبل .

وكانت هجرة المسلمين للحبشة  دليلا قاطعا لدقة تخطيط الرسول صلى الله عليه وسلم لمستقبل الإسلام والحفاظ على المسلمين الأوائل – نواة الهداية – من أذى قريش .

دروس وعبر من الهجرتين للحبشة :

  • إن اثبات المؤمنين على عقيدتهم بعد أن ينزل بهم الأشرار والضالون أنواع العذاب والاضطهاد دليل على صدق إيمانهم وإخلاصهم في معتقداتهم ، وسمو أنفسهم وأرواحهم ، بحيث يرون ما هم عليه من راحة الضمير واطمئنان النفس والعقل ، وما يأملونه من رضى الله جل شأنه أعظم بكثير مما ينال أجسادهم من تعذيب وحرمان واضطهاد .
  • إن السيطرة في المؤمنين الصادقين والدعاة المخلصين ، تكون دائماً وأبداً لأرواحهم
    لا لأجسامهم ، وهم يسرعون إلى تلبية مطالب أرواحهم من حيث لا ينالون بما تطلبه جسومهم من راحة وشبع ولذة ، وبهذا تنصر الدعوات ، وبهذا تتحرر الجماهير من الظلمات والجهالات .
  • إن في قول الرسول صلى الله عليه وسلم ذلك القول لعمه أبو طالب ، وفي رفضه ما عرضته عليه قريش من مال وملك ، دليل على صدقه في دعوى الرسالة ، وحرصه على هداية الناس ، وكذلك ينبغي أن يكون الداعية مصمماً على الاستمرار في دعوته مهما تألب عليه المبطلون ، معرضاً عن إغراء  المبطلين بالجاه والمناصب ، فالمتاعب في سبيل الحق لدى المؤمنين راحة لضمائرهم وقلوبهم ورضى الله وجنته أعز وأغلى عندهم من كل مناصب الدنيا وجاهها وأموالها .
  • إن على الداعية أن يجتمع بأنصاره على فترات في كل نهار أو أسبوع ، ليزيدهم إيماناً بدعوتهم وليعلمهم طرقها وأساليبها وآدابها ، وإذا خشي على نفسه وجماعته من الاجتماع بهم علناً وجب عليه أن يكون اجتماعه بهم سراً لئلا يجمع المبطلون أمرهم فيقضوا عليهم جميعاً ، أو يزدادوا في تعذيبهم واضطهادهم .
  • إن على الداعية أن يهتم بأقربائه ، فيبلغهم دعوة الإصلاح ، فإذا أعرضوا كان له عذر أمام الله والناس عما هم عليه من فساد وضلال .
  • أن على الداعية اذا وجد جماعته في خطر على حياتهم أو معتقداتهم من الفتنة ، أن  يهيىء لهم مكاناً يأمنون فيه من عدوان المبطلين ، ولا ينافي ذلك ما يجب على دعاة الحق من تضحية ، فإنهم إذا كانوا قلة استطاع المبطلون أن يقضوا عليهم قضاءا  مبرماً ، فيتخلصوا من دعوتهم ، وفي وجودهم في مكان آمن  ضمان لاستمرار الدعوة وانتشارها .
  • إن في أمر الرسول صلى الله عليه وسلم أولاً وثانياً بالهجرة إلى الحبشة ما يدل على ان رابطة الدين بين المتدينين ولو اختلفت دياناتهم هي أقوى وأوثق من رابطتهم مع الوثنيين والملحدين فالديانات السماوية في مصدرها وأصولها الصحيحة متفقة في الأهداف الاجتماعية الكبرى ، كما هي متفقة في الإيمان بالله ورسله واليوم الآخر ، وهذا ما يجعل وشائج القربى بينها أوثق من أية وشيجة من قرابة أو دم أو موطن مع الإلحاد والوثنية والكفر بشرائع الله .
  • إن المبطلين لا يستسلمون أمام أهل الحق بسهولة ويسر ، فهم كلما أخفقت لهم وسيلة من وسائل المقاومة والقضاء على دعوة الحق ابتكروا وسائل أخرى ، وهكذا حتى ينصر الحق انتصاره النهائي ويلفظ الباطل أنفاسه الأخيرة .

–        انتهى –

                                   فاللهم صل وسلم على نبينا وحبيبنا محمد ” عليه الصلاة والسلام “

المراجع :

–        من كتاب الإدارة في الاسلام للمؤلف د / أحمد إبراهيم أبو سن  –  القسم الثاني : العملية الإدارية في الإسلام – الفصل الخامس : التخطيط والتنظيم .

–        من كتاب دروس وعبر من السيرة النبوية للمؤلف أ / مصطفى السباعي – الفصل الثامن : مبحث : التنادي بالجهاد .

هيئة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ” الامبدزمان “

       الحسبة مؤسسة إدارية ، وأول من مارس مهماتها رسولنا الكريم صلى الله عليه وسلم حيث كان يتجول في أسواق المدينة للمراقبة ، فقد روت السنة أن الرسول صلى الله عليه وسلم مر على صاحب الطعام فأدخل يده فوجد بللاً ، فقال : ما هذا يا صاحب الطعام ؟ فقال : قد أصابته السماء يا رسول الله – فقال : هلّا جعلته أعلى ليراه الناس ؟ من غشنا ليس منا .ووظيفة المحتسب هي النظر فيما يتعلق بالنظام العام والجنايات أحياناً مما يحتاج الفصل فيها إلى السرعة ، وكان عمر بن الخطاب رضي الله عنه يقوم بعمل المحتسب ولو أن هذا اللفظ لم يستعمل إلا في عهد الخليفة المهدي العباسي ( 158-169 هـ ) وقد رؤي عمر يضرب جمّالاً ويقول له ” حملت جملك ما لا يطيق ” . فالمحتسب يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر ، ويحافظ على الآداب والفضيلة والأمانة ، وينظر في مراعاة أحكام الشرع ، ويشرف على نظام الأسواق ، ويحول دون بروز الحوانيت ، ويكشف على الموازين والمكاييل تجنباً للتطفيف ، ويعاقب من يعبث بالشريعة أو يرفع الأثمان ، ويقول ابن خلدون ( المقدمة ص 196 ) :

” وليس له امضاء الحكم في الدعاوي مطلقاً بل فيما يتعلق بالغش والتدليس في المعايش وغيرها ، وفي المكاييل والموازين ، وله أيضاً حمل المماطلين على الانصاف ، وأمثال ذلك مما ليس فيه سماع بينة ولا انفاذ حكم ” . وهي اختصاصات تشبه إلى حد كبير اختصاصات القضاء الاداري أو ” الامبدزمان ” في نظام الادارة بالدولة الاسكندنافية.

ولاتساع هذه الاختصاصات وارتباطها بالأمور الشرعية وبالعدل أشار الفقهاء إلى وجوب توافر عدد من الصفات في الشخص الذي يراد توليته لهذا المنصب وهي :

  1. أن يكون مسلماً حراً بالغاً عادلاً.
  2. أن يكون مجربا فقيها عارفا بأحكام الشريعة الاسلامية ليعلم ما يأمر به وما ينهى عنه.
  3. أن يعمل بما يعلم وألا يكون قوله مخالفاً لفعله.
  4. أن يكون عفيفاً عن أموال الناس ذا رأي .
  5. أن يوطن نفسه على الصبر وأن يقصد بقوله وفعله وجه الله وطلب مرضاته ، انتهى.

ملاحظة :

الدول الاسكندنافية هي شبه جزيرة تقع في شمال قارة أوروبا وتتكون من الممالك التالية الدنمارك، النرويج، السويد، وأحياناً تشمل دول أخرى مثل فنلندا، وأيسلندا، وجزر فارو، وذلك للتقارب التاريخي والحضاري والعلاقات الثقافية التي تربط هذه الدول مع الدول الإسكندنافية الأساسية الدنمارك، والنرويج، والسويد.
الشاهد :

قال الله تعالى : { كُنتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللّهِ وَلَوْ آمَنَ أَهْلُ الْكِتَابِ لَكَانَ خَيْرًا لَّهُم مِّنْهُمُ الْمُؤْمِنُونَ وَأَكْثَرُهُمُ الْفَاسِقُونَ } (110) سورة آل عمران.

المراجع :

* الإدارة في الإسلام ، د / أحمد إبراهيم أبو سنّ ، ط / دار الخريجي ” ص 44 – 45 ” ، القسم الأول ، الفصل الرابع ، مبحث : الحسبة ، بتصرف.

* الشبكة العنكبوتية.

هل هي تؤهلنا لمثل ذلك اليوم ؟؟؟

إن نعم الله على عباده لا تعد ولا تحصى ومن هذه النعم  نعمة شروق الشمس وغروبها ، التي ننعم بها دون أن نلقي لها بالا . فلو تأملنا في طلوع الشمس على العالم ، كيف قدره العزيز الجبار العليم سبحانه وتعالى ، فإنها لو كانت تطلع في موضع من السماء فتقف فيه ولا  تعدوه لما وصل شعاعها ونورها إلى كثير من الجهات ، لأن ظل أحد جوانب كرة الأرض يحجبها عن الجانب الآخر ، فكان يكون الليل دائماً سرمداً على من لم تطلع عليهم ، والنهار دائما سرمداً على من هي طالعة عليهم ، فتفسد حياة هؤلاء وهؤلاء .

فاقتضت الحكمة الإلهية والعناية الربانية أن قدر طلوعها من أول النهار من المشرق ، فتشرق على ما قابلها من الأفق الغربي ، ثم لا تزال تدور وتغشى جهة بعد جهة حتى تنتهي إلى المغرب  ، فتشرق على ما استتر عنها في أول النهار فيختلف عندهم الليل والنهار فتنتظم مصالحهم .

وها نحن سنشاهد بإذن الله حدثا كونيا عظيما قدر الله سبحانه على حدوثه ، ألا وهو كسوف جزئ للشمس وقت غروبها ، مما يذكرنا بإحدى علامات الساعة الكبرى ، وهي طلوع الشمس من مغربها ، فتفكر كيف يكون حالنا لو أن الشمس أشرقت من مغربها فهل أعمالنا تؤهلنا للقاء رب العزة والجلال ؟ انتهى .

 المراجع :

من كتاب قل انظروا .

الفصل الأول ” الشمس وإنارتها لجوانب الأرض ” .

من كتاب مفتاح دار السعادة ومنشور ولاية أهل العلم الإرادة .

فصل في الحكمة في طلوع الشمس .

للمؤلف :

الإمام ابن قيم الجوزية رحمه الله . ” بتصرف *

ملخص المواضيع حتى 2013/10/31 م

بسم الله الرحمن الرحيم

     معلومات تهمك عن الوضوء

فضائل ماء زمزم

من أسماء الكعبة المشرفة في القرآن الكريم

لا تحزن إن لم تحج

تذكر أنها تكسى في يوم عرفة

معلومات تهمك عن الصلاة

جغرافية الحج والعمرة

نبذة عن مشعر منى

نبذة عن مشعر عرفات

22. قطوف من السيرة المحمدية ” الهجرة الثانية “

بسم الله الرحمن الرحيم

قطوف من السيرة المحمدية

على صاحبها أفضل الصلاة وأزكى التسليم

 ” العناوين “

الأمر بالهجرة الثانية ، مكيدة قريش بمهاجري الحبشة ، النجاشي يقف موقف القاضي الفطن ، فائدة من موقف النجاشي في حكمه ، وقفة مع المتحدث الرسمي جعفر الطيار ،  النجاشي يستمع للقرآن ، محاولة أخرى لتشويه صورة المهاجرين عند النجاشي ، المراجع .

” التفاصيل “

الأمر بالهجرة الثانية :

بعد نجاح الهجرة الأولى إلى الحبشة اشتد على المسلمين الذين لم يتمكنوا من الهجرة الأولى البلاء والعذاب من قريش ، وسطت بهم عشائهم ، فقد كان صعب على قريش ما بلغها عن النجاشي من حسن الجوار ، ولم ير رسول الله صلى الله عليه وسلم بدأ من أن يشير على أصحابه بالهجرة إلى الحبشة مرة أخرى ، وكانت هذه الهجرة الثانية أشق من سابقتها ، فقد تيقظت لها قريش وقررت إحباطها ، بيد أن المسلمين كانوا أسرع ، ويسر الله لهم السفر ، فانحازوا إلى نجاشي الحبشة قبل أن يدركوا .

وفي هذه المرة هاجر من الرجال ثلاثة وثمانون رجلاً ويشك فما إذا كان فيهم عمار بن ياسر ، وثمان عشرة أو تسع عشرة امرأة ، وبالأول جزم العلامة محمد سليمان المنصور فوري .

مكيدة قريش بمهاجري الحبشة :

عز على المشركين أن يجد المهاجرون مأمناً لأنفسهم ودينهم ، فاختاروا رجلين جلدين لبيبين ، وهما ، عمرو بن العاص ، وعبد الله بن أبي ربيعة ، قبل أن يسلما ، وأرسلوا معهما الهدايا المستطرفة للنجاشي ولبطارقته ، وبعد أن ساق الرجلان تلك الهدايا إلى البطارقة ، وزوداهم بالحجج التي يطرد بها أولئك المسلمون ، وبعد أن اتفقت البطارقة أن يشيروا على النجاشي بإقصائهم ، حضرا إلى النجاشي ، وقدما لهم الهدايا ثم كلماه ، فقالا له :

أيها الملك ، إنه قد ضوى إلى بلدك غلمان سفهاء ، فارقوا من قومهم ، ولم يدخلوا في دينك ، وجاءوا بدين ابتدعوه ، لا نعرفه نحن ولا أنت ، وقد بعثنا إليك فيهم أشراف قومهم من آبائهم وأعمامهم وعشائرهم ، لتردهم إليهم ، فهم أعلى بهم عيناً ، وأعلم بما عابوا عليهم ، وعاتبوهم فيه .

النجاشي يقف موقف القاضي الفطن :

وقالت البطارقة : صدقاً أيها الملك ، فأسلمهم إليهما ، فليرداهم إلى قومهم وبلادهم ولكن رأى النجاشي أنه لا بد من تمحيص القضية ، وسماع أطرافها جميعاً ، فأرسل إلى المسلمين ، ودعاهم فحضروا ، وكانوا قد أجمعوا على الصدق كائناً من كان ، فقال لهم النجاشي : ما هذا الدين الذي فارقتم فيه قومكم ، ولم تدخلوا به في ديني ولا دين أحد من هذه الملل ؟ .

فائدة من موقف النجاشي تجاه الوشاة :

من المعلوم أن كل شخص يرى أن الحق معه وإن كان على خطأ ، ويرى أيضا بأن خصمه على باطل وإن كان على حق فلا ينبغي أن نحكم بين اثنين إلا بعد أن نسمع منهما ثم بعد ذلك نحكم بالحق ولا نميل إلى الجانب الذي يروق لنا وكما قيل ” امسك العصا من الوسط  ” .

المتحدث الرسمي عن الإسلام ” جعفر الطيار رضي الله عنه :

قال جعفر بن أبي طالب رضي الله عنه وكان هو المتكلم عن المسلمين ، أيها الملك ، كنا قوماً أهل جاهلية ، نعبد الأصنام ونأكل الميتة ، ونأتي الفواحش ، ونقطع الأرحام ، ونسيء الجوار ، ويأكل منا القوي الضعيف ، فكنا على ذلك ، حتى بعث الله إلينا رسولاً منا ، نعرف نسبه وصدقه وأمانته وعفافه ، فدعانا إلى الله لنوحده ونعبده ،  ونخلع ما كنا نعبد نحن وآباؤنا من دونه من الحجارة والأوثان ، وأمرنا بصدق الحديث ، وأداء الأمانة ، وصلة الرحم ، وحسن الجوار ، والكف عن المحارم والدماء ، ونهانا عن الفواحش ، وقول الزور ، وأكل مال اليتيم ، وقذف المحصنات ، وأمرنا أن نعبد الله وحده ، لا نشرك به شيئاً ، وأمرنا بالصلاة والزكاة والصيام ، فعدد عليه أمور الإسلام ، فصدقناه ، وآمنا به ، واتبعناه على ما جاءنا به من دين الله ، فعبدنا الله وحده ، فلم نشرك به شيئاً ، وحرمنا ما حرم علينا ، وأحللنا ما أحل لنا ، فعدا علينا قومنا ، فعذبونا ، وفتنونا عن ديننا ، ليردونا إلى عبادة الأوثان من عبادة الله تعالى ، وأن نستحل ما كنا نستحل من الخبائث ، فلما قهرونا وظلمونا وضيقوا علينا ، وحالوا بيننا وبين ديننا خرجنا إلى بلادك ، واخترناك على من سواك ، ورغبنا في جوارك ، ورجونا أن لا نظلم عندك أيها الملك .

وقفة مع خطاب المتحدث الرسمي عن الإسلام ” جعفر الطيار رضي الله عنه :

لاحظنا أن خطاب جعفر بن أبي طالب رضي الله عنه  وكان هو المتكلم عن المسلمين ، كان يتحدث عن أمور أساسية في حياة كل مسلم على وجه الأرض  فأحببنا أن نقف مع بعض ما ذكر في خطابه

 قوله : أمرنا بصدق الحديث : فسأل نفسك يا أيها المسلم كيف حالك مع الصدق في نفسك هل أنت صادق في أقوالك في أفعالك في أعمالك واحتفظ بالإجابة لنفسك فهل الصدق الآن يظهر في حياة المسلمين قولا ، وعملا ، وفعلا  ! .

وقس على ذلك فيما يتعلق في أداء الأمانة ، وصلة الرحم ، وحسن الجوار … إلخ . ولا يخفى أن بعض المسلمين هداهم الله يفتقرون لمثل هذه الأهداف النبيلة في ديننا الحنيف ولا يفوتنا أن نذكر مقولة جميلة للمفكر الإسلامي محمد الغزالي رحمه الله  عندما تطرق إلى المؤتمرات العربية والإسلامية لعلاج أحوال المسلمين حيث قال : ” هي أن يدخل المسلمون في الإسلام ” .

النجاشي يطلب سماع شيء من القرآن :

فقال له النجاشي : هل معك مما جاء به الله من شيء ؟ فقال له جعفر نعم ! فقال له النجاشي : فاقرأه عليّ ، فقرأ عليه صدراً من ( كهيعص ) فبكى والله النجاشي حتى اخضلت لحيته ، وبكت أساقفته حتى أخضلوا مصاحفهم حين سمعوا ما تلا عليهم ، ثم قال لهم النجاشي : إن هذا والذي جاء به عيسى ليخرج من مشكاة واحدة ، انطلقا ، فلا والله لا أسلمهم إليكما ولا يكادون ، يخاطب عمرو بن العاص وصاحبه – فخرجا ،

محاولة أخرى لتشويه صورة المهاجرين عند النجاشي :

قال عمرو ابن العاص لعبد الله بن ربيعة : والله لأتينهم غداً عنهم بما أستأصل به خضراءهم ، فقال له عبدالله بن ربيعة : لا تفعل ، فإن لهم أرحاماً وإن كانوا قد خالفونا ، ولكن أصر عمرو على رأيه . فلما كان الغد قال للنجاشي : أيها الملك ! أنهم يقولون في عيسى ابن مريم قولاً عظيماً ، فأرسل إليهم النجاشي يسألهم عن قولهم في المسيح ، ففزعوا ، ولكن أجمعوا على الصدق ، كائناً من كان ، فلما دخلوا عليه ، وسألهم قال له جعفر : نقول فيه الذي جاءنا به نبينا محمد صلى الله عليه وسلم : هو عبدالله ورسوله وروحه وكلمته ألقها إلى مريم العذراء البتول . فأخذ النجاشي عوداْ من الأرض ، ثم قال : والله ما عدا عيسى ابن مريم ما قلت هذا العود  فتأخرت بطارقته ، فقال : وإن نخرتم والله . ثم قال للمسلمين : اذهبوا فأنتم شيوم بأرضي – والشيوم : الآمنون بلسان الحبشة – من سبكم غرم ، من سبكم غرم ، من سبكم غرم ، ما أحب أن لي دبراً من ذهب وأني  آذيت رجلاً منكم – والدبر الجبل بلسان الحبشة . ثم قال لحاشيته : ردوا عليهما هداياهما ، فلا حاجة لي بها ، فوا الله ما أخذ الله مني الرشوة حين رد علي ملكي ، فاخذ الرشوة فيه ، وما أطاع الناس فـي ّ فأطيعهم فيه .

قالت أم سلمة التي تروي هذه القصة : فخرجا من عنده مقبوحين مردوداً عليهما ما جاؤوا به وأقمنا عنده بخير دار مع خير جار . هذه رواية ابن إسحاق , وذكر غيره أن وفادة عمرو بن العاص إلى النجاشي كانت بعد بدر وجمع بعضهم بأن الوفادة كانت مرتين ، لكن الأسئلة والأجوبة التي ذكروا أنها دارت بين النجاشي وجعفر في الوفادة الثانية هي نفس الأسئلة والأجوبة التي ذكرها ابن إسحاق تقريباً ثم إن تلك الأسئلة تدل لفحواها أنها كانت في أول مرافعة قدمت إلى النجاشي .

–        انتهى –

                                   فاللهم صل وسلم على نبينا وحبيبنا محمد ” عليه الصلاة والسلام “

المراجع :

–        من كتاب الرحيق المختوم للمؤلف الشيخ / صفي الدين المباركفوري رحمه الله –  الفصول : الهجرة الأولى إلى الحبشة  + مكيدة قريش بمهاجري الحبشة .

–        من كتاب قذائف الحق للمؤلف الشيخ / محمد الغزالي رحمه الله – الفصل الثامن : مبحث : التنادي بالجهاد .