32. قطوف من السيرة المحمدية ” أحداث وقعت قبيل الهجرة “

                        بسم الله الرحمن الرحيم

قطوف من السيرة المحمدية

على صاحبها أفضل الصلاة وأزكى التسليم

 ” العناوين “

في دار الندوة ” برلمان قريش ” ، ما مكانة المدينة بالنسبة لقريش آنذاك ، أخطر اجتماع عقد ضد نبينا الكريم ،  النقاش البرلماني والإجماع على قرار غاشم بقتل النبي صلى الله عليه وسلم ، فائدة عن أقسام الناس في حربهم مع الشيطان عليه لعنة الله ، المراجع .

” التفاصيل “

في دار الندوة ” برلمان قريش ” :

لما رأى المشركون أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم قد تجهزوا وخرجوا ، وحملوا وساقوا الذراري والأطفال والأموال إلى الأوس والخزرج ، وقعت فيهم ضجة أثارت القلاقل والأحزان وأخذ القلق يساورهم بشكل لم يسبق له مثيل ، فقد تجسد أمامهم الخطر الحقيقي العظيم ، الذي يهدد كيانهم الوثني والاقتصادي ، فقد كانوا يعلمون ما في شخصية محمد صلى الله عليه وسلم من غاية قوة التأثير مع كمال القيادة والإرشاد ، وما في أصحابه من العزيمة والاستقامة والفداء في سبيله ، ثم ما في قبائل الأوس والخزرج من قوة ومنعة ، وما في عقلاء هاتين القبيلتين من عواطف السلم والصلاح والتداعي إلى نبذ الأحقاد فيما بينهما ، بعد أن ذاقوا مرارة الحروب الأهلية طيلة أعوام من الدهر .

ما مكانة المدينة بالنسبة لقريش آنذاك :

كما كانوا يعرفون ما للمدينة من الموقع الاستراتيجي بالنسبة إلى المحجة التجارية التي تمر بساحل البحر الأحمر من اليمن إلى الشام ، وقد كان أهل مكة يتاجرون إلى الشام بقدر ربع مليون دينار ذهب سنوياً ، سوى ما كان لأهل الطائف وغيرها ، ومعلوم أن مدار هذه التجارة كان على استقرار الأمن في تلك الطريق . فلا يخفى ما كان لقريش من الخطر البالغ في تمركز الدعوة الإسلامية في يثرب ومجابهة أهلها ضدهم . شعر المشركون بتفاقم الخطر الذي كان يهدد كيانهم ، فصاروا يبحثون عن أنجع السوائل لدفع هذا الخطر ، الذي مبعثه الوحيد هو حامل لواء دعوة الإسلام محمد صلى الله عليه وسلم .

أخطر اجتماع عقد ضد نبينا الكريم صلى الله عليه وسلم :

وفي يوم الخميس 26 من شهر صفر سنة 14 من النبوة الموافق 12 من شهر سبتمبر سنة 662 م أي بعد شهرين ونصف تقريباً من بيعة العقبة الكبرى عقد برلمان مكة ( دار الندوة ) في أوائل النهار أخطر اجتماع له في تاريخه وتوافد إلى هذا الاجتماع جميع نواب القبائل القرشية ، ليتدارسوا خطة حاسمة تكفل القضاء سريعاً على حامل لواء الدعوة الإسلامية ، وتقطع تيار نورها عن الوجود نهائياً . ونذكر بعض الوجوه البارزة في هذا الاجتماع الخطير من نواب قبائل قريش :

أبو جهل عمرو بن هشام ، جبير بن مطعم ، شيبة وعتبة ابنا الربيعة ، أبو سفيان بن حرب ، النضر بن الحارث ، أبو البختري بن هشام ، زمعة بن الأسود ، أمية بن خلف ، ونبيه ومنبه ابنا الحجاج وغيرهم .

ولما جاؤوا إلى دار الندوة حسب الميعاد اعترضهم إبليس في هيئة شيخ جليل عليه بت له ، ووقف على الباب ، فقالوا : من الشيخ ؟ قال : شيخ من أهل نجد سمع بالذي تواعدتم له ، فحضر معكم ليسمع ما تقولون ، وعسى أن لا يعدمكم منه رأياً ونصحاً ، قالوا : أجل ، فادخل ، فدخل معهم .

النقاش البرلماني والإجماع على قرار غاشم بقتل النبي صلى الله عليه وسلم :

وبعد أن تكامل الاجتماع بدأ عرض الاقتراحات والحلول ، ودار النقاش طويلاً ،

قال أبو الأسود : نخرجه من بين أطهرنا وننفيه من بلادنا ، ولا نبالي أين ذهب ، ولا حيث وقع ، فقد أصلحنا أمرنا وألفتنا كما كانت .

قال الشيخ النجدي : لا والله ما هذا لكم ، ألم تروا حسن حديثه وحلاوة منطقه ، وغلبته على قلوب الرجال بما يأتي به ، والله لو فعلتم ذلك ما أمنتم أن يحل على حي من العرب ، ثم يسير بهم إليكم – بعد أن يتابعوه – حتى يطأكم بهم في بلادكم ، ثم يفعل بكم ما أراد ، دبروا فيه رأياً غير هذا .

قال أبو البختري : احبسوه في الحديد ، وأغلقوا عليه باباً ، ثم تربصوا  به ما أصاب أمثاله من الشعراء الذين كانوا قبله – زهيراً والنابغة – ومن مضى منهم من هذا الموت ، حتى يصيبه ما أصابهم .

قال الشيخ النجدي : لا والله ما هذا لكم برأي ، والله لئن حبستموه – كما تقولون – ليخرجن أمره من وراء الباب الذي أغلقتم دونه إلى أصحابه ، فلأوشكوا أن يثبوا عليكم ، فينزعوه من أيدكم ، ثم يكاثروكم به ، حتى يغلبوكم على أمركم ، ما هذا لكم برأي ، فانظروا في غيره . وبعد أن رفض البرلمان هذين الاقتراحين قدم إليه اقتراح آثم وافق عليه جميع أعضائه تقدم به كبير مجرمي مكة أبو جهل بن هشام .

 قال أبو جهل : والله إن لي فيه رأيا ما أراكم وقعتم عليه بعد ، قالوا : وما هو يا أبا الحكم . قال : أرى أن نأخذ من كل قبيلة فتى شاباً جلداً نسيباً وسيطاً فينا ، ثم نعطي كل فتى منهم سيفا صارماً ، ثم يعمدوا إليه ، فيضربوه بها ضربة رجل واحد ، فيقتلوه ، فنستريح منه ، فإنهم إذا فعلوا ذلك تفرق دمه في القبائل جميعاً ، فلم يقدر بنو عبد مناف على حرب قومهم جميعاً ، فرضوا منا بالعقل ، فعقلناه لهم .

قال الشيخ النجدي : القول ما قال الرجل ، هذا الرأي الذي لا أرى غيره ، ووافق برلمان مكة على هذا الاقتراح الآثم بالإجماع ، ورجع النواب إلى بيوتهم ، وقد صمموا على تنفيذ هذا القرار فوراً .

فائدة عن أقسام الناس في حربهم مع الشيطان عليه لعنة الله :

ينقسم الناس في حربهم مع الشيطان إلى ثلاثة أقسام وهي كالتالي :

1. الأسير :

فهذا القسم عياذا بالله ، الشيطان لا يتعب معه كثيرا لأنه مسرف على نفسه بالمعاصي لا يترك صغيرة ولا كبيرة إلا أتاها فلا يعرف معروفا ولا ينكر منكر المهم لديه أن يشبع شهوته بأي شكل كان وبأي ثمن . والشيطان دوره معه أن يزين له المعاصي فقط .

2. المحارب :

وهذا القسم في حرب ضروس مع الشيطان يجاهد نفسه على الطاعات وترك المنكرات يؤنب نفسه على التقصير والحرب بينهما سجال تارة له وتارة عليه .

3. الطاغوت :

وهذا القسم شأنه غريب وأمره عجيب فهو طاغوت في مسلاخ بشر فمن كثرت طغيانه وعصيانه وجبروته عياذا بالله جعل الشيطان تابعا له أسيرا لرأيه وفكره . ولتوضيح صورة هذا القسم نضرب مثالا لذلك .

كما قرأنا قبل قليل في قصة اغتيال النبي صلى الله عليه وسلم وأنهم تشاوروا في الكيفية التي تنفذ بها العملية وكان معهم الشيطان ” في صورة الشيخ النجدي ” وكلما يأتي أحدهم برأي لا يقبل فجاء الطاغوت أبو جهل لعنه الله بفكرة أيده بها الجميع وما ملك الشيطان إلا أن يتبعه .

–        انتهى –

                                   فاللهم صل وسلم على نبينا وحبيبنا محمد ” عليه الصلاة والسلام “

المراجع :

–        من كتاب الرحيق المختوم للمؤلف الشيخ / صفي الدين المباركفوري رحمه الله – فصل : في دار الندوة ” برلمان قريش ”  ( ص 153 – 155 ) . طبعة : دار ابن حزم .

31. قطوف من السيرة المحمدية ” مسجد البيعة بمنى “

                 بسم الله الرحمن الرحيم

قطوف من السيرة المحمدية

على صاحبها أفضل الصلاة وأزكى التسليم

 ” العناوين “

حادثة شق صدره ، ماذا رأى في رحلته هذه ،  وقع الخبر على أسماع المكذبين ، لماذا لقب أبا بكر بالصديق   ، نبذة مسجد البيعة ، طلائع الهجرة ، انتظاره الإذن بالهجرة ، المراجع .

” التفاصيل “

حادثة شق صدره وماذا رأى في رحلته هذه :

بقي رسول الله صلى الله عليه وسلم في بني سعد حينما كان صغيرا حتى إذا كانت السنة الرابعة أو الخامسة من مولده صلى الله عليه وسلم وقع حادث شق صدره ، روى مسلم عن أنس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أتاه جبريل ، وهو يلعب مع الغلمان ، فأخذه فصرعه ، فشق قلبه ، فاستخرج القلب ، فاستخرج منه علقة ، فقال : هذا حظ الشيطان منك ، ثم غسله في طست من ذهب بماء زمزم ثم لأمه ، ثم أعاده إلى مكانه ، وجاء الغلمان يسعون إلى أمه – يعني ظئره – فقالوا : إن محمدا قد قتل ، فاستقبلوه وهو منتقع اللون . وقد وقع حادث شق صدره صلى الله عليه وسلم هذه المرة أيضاً ، وقد رأى ضمن هذه الرحلة أموراً عديدة :

عرض عليه اللبن والخمر ، فاختار اللبن ، فقيل ، هديت الفطرة أو أصبت الفطرة ، أما إنك لو أخذت الخمر غوت أمتك .

ورأى أربعة أنهار في الجنة : نهران ظاهران ، ونهران باطنان ، والظاهران هما : النيل والفرات ، ومعنى  ذلك أن رسالته ستتوطن الأودية الخصبة في النيل والفرات ، وسيكون أهلها حملة الإسلام جيلاً بعد جيل ، وليس معناه أن مياه النهرين تنبع من الجنة ،

 ورأى مالك خازن النار ، وهو لا يضحك ، وليس على وجهه بشر وبشاشة ، وكذلك رأى الجنة والنار ،

ورأى أكلة أموال اليتامى ظلماً لهم مشافر كمشافر الإبل ، يقذفون في أفواهم قطعا من نار كالافهار ، فتخرج من أدبارهم ،

 ورأى أكلة الربا لهم بطون كبيرة ، لا يقدرون لأجلها أن يتحولوا عن مكانهم ويمر بهم آل فرعون  حين يعرضون على النار فيطأونهم ،

ورأى الزناة بين أيديهم لحم سمين طيب إلى جنبه لحم غث منتن ، يأكلون من الغث المنتن ، ويتركون الطيب السمين ،

 ورأى النساء اللاتي يُدخلن على الرجال من ليس من أولادهم ، رآهن معلقات بثديهن ،

ورأى عيراً من أهل مكة في الإياب والذهاب ، وقد دلهم على بعير ند لهم ، وشرب ماءهم من إناء مغطى وهم نائمون ، ثم ترك الإناء مغطى ، وقد صار ذلك دليلاً على صدق دعواه في صباح ليلة الإسراء .

وقع الخبر على أسماع المكذبين :

قال ابن القيم : فلما أصبح رسول الله صلى الله عليه وسلم ، في قومه أخبرهم بما أراه الله عز وجل من آياته الكبرى ، فاشتد تكذيبهم له وأذاهم وضراوتهم عليه ، وسألوه أن يصف لهم بيت المقدس ، فجلاه الله له ، حتى عاينه ، فطفق يخبرهم عن آياته ، ولا يستطيعون أن يردوا عليه شيئاً ، وأخبرهم عن عيرهم في مسراه ورجوعه ، وأخبرهم عن وقت قدومها ، وأخبرهم عن البعير الذي يقدمها وكأن الأمر كما قال : فلم يزدهم ذلك إلا نفوراً ، وأبى الظالمون إلا كفوراً .

لماذا لقب أبا بكر بالصديق ؟ :

يقال سمى أبو بكر رضي الله عنه صديقا ، لتصديقه هذه الواقعة حين كذبها الناس .

ولأجل هذه الحكمة وأمثالها نرى أن الإسراء إنما وقع إما قبيل بيعة العقبة الأولى أو بين العقبتين ، والله أعلم .

نبذة عن مسجد البيعة :

لقد تمت بيعة العقبة الأولى في هذا الموضع من منى سنة 12 من النبوة / 621 م حيث بايع 12 شخصا من أعيان قبيلتي الأوس والخزرج من المدينة ، كما أن بيعة العقبة الثانية كانت أيضا في هذا الموضع ، وذلك أثناء موسم حج سنة 13 من النبوة / يونيو 622 م ، وحضر هذه البيعة 73 رجلا وامرأتان من أهل المدينة ، ودعوا النبي صلى الله عليه وسلم أن يأتي المدينة المنورة وقالوا : إلى متى ندع رسول الله صلى الله عليه وسلم يطرد في جبال مكة ويخاف ، وعرفت هذه البيعة أيضا ببيعة العقبة الكبرى ، وبنى أبو جعفر المنصور سنة 144هـ /761م المسجد في موضع البيعة كما هو مصرح في اللوحة التي لا تزال مثبتة في جدار المسجد للقبلة من الخارج . وهو مكون من فناء مكشوف يتقدمه مظلة .

وقد ذكره الأزرقي ( المتوفي : 244هـ ) والفاكهي ( المتوفي : 272هـ ) والحربي وابن الجوزي ( المتوفي : 597هـ ) والفاسي ( المتوفي : 832هـ ) وابن ظهيرة ( المتوفي : 986هـ ) وقد كان موضع اهتمام وعناية خلفاء المسلمين على مر التاريخ ولعل بناؤه الحالي عثماني من الحجر والجص ، وهو على بعد نحو 300 متر عن جمرة العقبة الكبرى على يمين الجسر النازل من منى إلى مكة المكرمة .

طلائع الهجرة :

وبعد أن تمت بيعة العقبة الثانية ، ونجح الإسلام في تأسيس وطن له وسط صحراء تموج بالكفر والجهالة – وهو أخطر كسب حصل عليه الإسلام منذ بداية دعوته – أذن رسول الله صلى الله عليه وسلم للمسلمين بالهجرة إلى هذا الوطن .

ولم يكن معنى الهجرة إلا إهدار المصالح ، والتضحية بالأموال ، والنجاة بالشخص فحسب ، مع الإشعار بأنه مستباح منهوب ، قد يهلك في أوائل الطريق أو نهايتها ، وبأنه يسير نحو مستقبل مبهم ، لا يدري ما يتمخض عنه من قلاقل وأحزان ، وبدأ المسلمون يهاجرون ، وهم يعرفون كل ذلك ، وأخذ المشركون يحولون بينهم وبين خروجهم ، لما كانوا يحسون من الخطر ، ولكن مع كل ذلك خرج الناس أرسالا يتبع بعضهم بعض . وبعد شهرين وبضعة أيام من بيعة العقبة الكبرى لم يبق بمكة من المسلمين إلا رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبو بكر وعلي – أقاما بأمره لهما – وإلا من احتبسه المشركون كرها . وقد أعد رسول الله صلى الله عليه وسلم جهازه ينتظر متى يؤمر بالخروج ، وأعد أبو بكر جهازه .

انتظار الإذن بالهجرة :

روى البخاري عن عائشة رضي الله عنها قالت : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ” إني رأيت دار هجرتكم ذات نخل بين لابتين ” – وهما الحرتان – فهاجر من هاجر قبل المدينة . ورجع عامة من كان هاجر بأرض الحبشة إلى المدينة ، وتجهز أبو بكر قبل المدينة ، فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم : ” على رسلك ، فإني ارجو أن يؤذن لي ” . فقال له أبو بكر : وهل ترجو ذلك بأبي أنت ؟ قال : ” نعم ” فحبس أبو بكر نفسه على رسول الله صلى الله عليه وسلم ليصحبه ، وعلف راحلتين كانتا عنده ورق السمر – وهو الخبط – أربعة أشهر .

                                                              –   انتهى –

                                   فاللهم صل وسلم على نبينا وحبيبنا محمد ” عليه الصلاة والسلام “

المراجع :

–        من كتاب الرحيق المختوم للمؤلف الشيخ / صفي الدين المباركفوري رحمه الله – فصل : المولد وأربعون عاما قبل النبوة ( ص 51 ) وفصل : الإسراء والمعراج ( ص 133 – 135 ) وفصل : طلائع الهجرة ( 150 – 152 ) طبعة : دار ابن حزم .

–        من كتاب تاريخ مكة المكرمة قديما وحديثا للمؤلف الدكتور / محمد إلياس عبد الغني حفظه الله – فصل : مسجد البيعة ( ص 131 -132 ) . مطابع الرشيد .

30. قطوف من السيرة المحمدية ” نبينا الكريم إمام الأولين والآخرين “

                   بسم الله الرحمن الرحيم

قطوف من السيرة المحمدية

على صاحبها أفضل الصلاة وأزكى التسليم

 ” العناوين “

نبينا الكريم إمام الأولين والآخرين ، رحلته إلى السماء ، إن أمتك لا تطيق ذلك ، وقفة مع الصلوات الخمس ، هل رأى ربه عيانا ، وصفه صلى الله عليه وسلم لسدرة المنتهى ، المراجع .

” التفاصيل “

        نبينا الكريم إمام الأولين والآخرين :

جمع الله المرسلين السابقين من حملة الهداية في هذه الأرض وما حولها ؛ ليستقبلوا صاحب الرسالة الخاتمة ، إن النبوات يصدق بعضها بعضا ، وقد أخذ الله الميثاق على أنبياء بني إسرائيل بذلك ( وإذ أخذ الله ميثاق النبين لما ءاتيتكم من كتاب وحكمة ثم جاءكم رسول مصدق لما معكم لتؤمنن به ولتنصرنه قال ءأقررتم وأخذتم على ذلكم إصرى قالوا أقررنا قال فاشهدوا وأنا معكم من الشاهدين ) . وفي السنة الصحيحة أن الرسول صلى الله عليه وسلم صّلى بإخوانه الأنبياء ركعتين في المسجد الأقصى ، فكانت هذه الإمامة إقرارا مبينا بأن الإسلام كلمة الله الأخيرة إلى خلقه ، أخذت تمامها على يد محمد صلى الله عليه وسلم بعد أن وطّأ لها العباد الصالحون من رسل الله الأولين والكشف عن منزلة محمد صلى الله عليه وسلم ودينه ليس مدح يساق في حفل تكريم ، بل هو بيان حقيقة مقرّرة في عالم الهداية منذ تولت السماء إرشاد الأرض ، ولكنه جاء في الوقت المناسب .

رحلته صلى الله عليه وسلم إلى السماء :

قال ابن القيم : أسرى بالرسول صلى الله عليه وسلم بجسده على الصحيح ، من المسجد الحرام إلى بيت المقدس راكباً على البراق ، صحبة جبريل عليهما الصلاة والسلام ، فنزل هناك ، وصلى بالأنبياء إماماً ، وربط البراق بحلقة باب المسجد .

ثم عرج به تلك الليلة من بيت المقدس إلى السماء الدنيا ، فاستفتح له جبريل ففتح له ، فرأى هناك آدم أبا البشر فسلم عليه ، فرحب به ، ورد عليه السلام ، وأقر بنبوته ، وأراه الله أرواح الشهداء عن يمينه ، وأرواح الأشقياء عن يساره .

       ثم عرج به إلى السماء الثانية ، فاستفتح له ، فرأى فيها يحي بن زكريا وعيسى بن مريم ، فلقيهما وسلم عليهما ، فردا عليه ورحبا به ، وأقرا بنبوته ،

ثم عرج به إلى السماء الثالثة ، فرأى فيها يوسف ، فسلم عليه ، فرد عليه ورحب به ، وأقر بنبوته ،

ثم عرج به إلى السماء الرابعة ، فرأى فيها إدريس ، فسلم عليه ، فرد عليه ورحب به ، وأقر بنبوته ،

ثم عرج به إلى السماء الخامسة ، فرأى فيها هارون بن عمران ، فسلم عليه ، فرد عليه ورحب به ، وأقر بنبوته ،

ثم عرج به إلى السماء السادسة ، فرأى فيها موسى بن عمران ، فسلم عليه ، فرد عليه ورحب به ، وأقر بنبوته ، فلما جاوزه بكى موسى ، فقيل له : ما يبكيك ؟ فقال : أبكي لأن غلاماً بعث من بعدي يدخل الجنة من أمته أكثر مما يدخلها من أمتي،

 ثم عرج به إلى السماء السابعة ، فلقى فيها ابراهيم عليه السلام  ، فسلم عليه ، فرد عليه ورحب به ، وأقر بنبوته ،

ثم رفع إلى سدرة المنتهى ، – قال ابن القيم : وقد ثبت أن سدرة المنتهى فوق السماء وسميت بذلك لأنها ينتهي إليها ما ينزل من عند الله فيقبض منها وما يصعد إليه فيقبض منها وقال تعالى : ” وفي السماء رزقكم وما توعدون ” سورة الذاريات : 22 .،

ثم رفع له البيت المعمور .

ثم عرج به إلى الجبار جل جلاله ، فدنا منه حتى كان قاب قوسين أو أدنى ، فأوحى إلى عبده ما أوحى ، وفرض عليه خمسين صلاة .

إن أمتك لا تطيق ذلك فاسأله التخفيف :

فرجع حتى مرّ على موسى ، فقال له : بم أمرك ؟ قال : بخمسين صلاة ، قال : إن أمتك لا تطيق ذلك ، ارجع إلى ربك فاسأله التخفيف لأمتك ، فالتفت إلى جبريل ، كأنه يستشيره في ذلك ، ، فأشار : أن نعم ، إن شئت ، فعلا به جبريل حتى أتى به الجبار تبارك وتعالى ، وهو في مكانه ، هذا لفظ البخاري في بعض الطرق- فوضع عنه عشراً ، ثم أنزل حتى مر بموسى ، فأخبره ، فقال : ارجع إلى ربك فأسأله التخفيف ، فلم يزل يتردد بين موسى وبين الله عز وجل ، حتى جعلها خمساً ، فأمره موسى بالرجوع وسؤال التخفيف ، فقال : قد استحييت من ربي ، ولكني أرضى وأسلم ، فلما بعد نادى مناد : قد أمضيت فريضتي وخففت عن عبادي- انتهى .

وقفة مع الصلوات الخمس :

قال بعض السلف : الصلاة كجارية تهدى إلى ملك من الملوك فما ظن بمن يهدي إليه جارية شلاء أو عوراء أو عمياء أو مقطوعة اليد والرجل أو مريضة أو دميمة أو قبيحة حتى يهدى إليه جارية ميتة بلا روح فيها وجارية قبيحة . فكيف بالصلاة التي يهديها العبد ويتقرب بها إلى ربه تعالى ؟ والله تعالى لا يقبل إلا طيبا ، وليس من العتق الطيب عتق عبد لا روح فيه . انتهى . وقس على هذا سائر الطاعات من صيام أو صدقة أو أو أو .

هل رأى ربه عيانا :

ثم ذكر ابن القيم خلافاً في رؤيته صلى الله عليه وسلم ربه تبارك وتعالى ، ثم ذكر كلاماً لابن تيمية بهذا الصدد ، وحاصل البحث أن الرؤية بالعين لم تثبت أصلاً وهو قول لم يقله أحد من الصحابة ، وما نقل عن ابن عباس من رؤيته مطلقاً ورؤيته بالفؤاد فالأول لا ينافي الثاني . ثم قال : وأما قوله تعالى في سورة النجم ( ثم دنا فتدلى ) النجم 8 ، فهو غير الدنو الذي في قصة الإسراء ، فإن الذي في سورة النجم هو دنو جبريل ، وتدليه ، كما قالت السيدة عائشة وابن مسعود رضي الله عنهما ، والسياق يدل عليه ، وأما الدنو والتدلي في حديث الإسراء فذلك  صريح في  أنه  دنو الرب تبارك وتعالى وتدليه ، ولا تعرض في سورة النجم لذلك ، بل فيه أنه رآه نزلة أخرى عند سدرة المنتهى ، وهذا هو جبريل رآه رسول الله صلى الله عليه وسلم على صورته مرتين : مرة في الأرض ، ومرة عند سدرة المنتهى ، والله  أعلم … انتهى .

وصفه صلى الله عليه وسلم لسدرة المنتهى :

قال تعالى : ” ولقد رءاه نزلة أخرى عند سدرة المنتهى عندها جنة المأوى ” سورة النجم : 13- 15 ” وقد رأي النبي صلى الله عليه وسلم سدرة المنتهى ورأى عندها جنة المأوى كما في الصحيحين من حديث أنس في قصة الإسراء وفي آخره ” ثم انطلق بي جبريل حتى انتهى إلى سدرة المنتهى فغشيها ألوان لا أدري ما هي ؟ قال : ثم دخلت الجنة فإذا فيها  جنابذ اللؤلؤ وإذا ترابها المسك ” .

–        انتهى –

                                   فاللهم صل وسلم على نبينا وحبيبنا محمد ” عليه الصلاة والسلام “

المراجع :

–        من كتاب الرحيق المختوم للمؤلف الشيخ / صفي الدين المباركفوري رحمه الله – فصل : الإسراء والمعراج ( ص 133 – 135 ) طبعة : دار ابن حزم .

–        من كتاب مدارج السالكين بين منازل إياك نعبد وإياك نستعين للمؤلف الإمام / ابن قيم الجوزية رحمه الله – المجلد الثاني ، فصل : في صلاة من لم يخشع ( ص 161 ) طبعة : دار طيبة .

–        من كتاب حادي الأرواح إلى بلاد الأفراح للمؤلف الإمام / ابن قيم الجوزية رحمه الله – الباب الأول : في بيان وجود الجنة الآن ، والباب الثالث عشر : في مكان الجنة وأين هي : ( ص 18 ، 55 ) طبعة : دار الكتب العلمية .

–        من كتاب فقه السيرة للمؤلف الشيخ / محمد الغزالي رحمه الله – فصل : الإسراء والمعراج  ( ص 138 – 143 ) طبعة : دار القلم .

29. قطوف من السيرة المحمدية ” ليلة الإسراء والمعراج وحكم الاحتفال بها “

                 بسم الله الرحمن الرحيم

قطوف من السيرة المحمدية

على صاحبها أفضل الصلاة وأزكى التسليم

 ” العناوين “

حكم الاحتفال بليلة الإسراء والمعراج ، مقدمة عن الإسراء والمعراج  ، لماذا كانت الرحلة إلى المسجد الأقصى وليست إلى السماء مباشرة ، ما الحكمة من الإسراء ، تعيين زمن الإسراء ، المراجع .

” التفاصيل “

        حكم الاحتفال بليلة الإسراء والمعراج :

من أعظم معجزات النبي صلى الله عليه وسلم : الإسراء به ليلا من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى ، ثم العروج به  إلى السماوات السبع فما فوقها ، وقد انتشر في بعض البلدان الاحتفال بذكراها في ليلة السابع والعشرين من رجب ، ولا يصح كون ليلة الإسراء في تلك الليلة ، قال ابن حجر عن ابن دحية : ( وذكر بعض القُصاص أن الإسراء كان في رجب ، قال : وذلك كذب ) ، وقال ابن رجب : ( وروي بإسناد لا يصح عن القاسم بن محمد ، أن الإسراء بالنبي صلى الله عليه وسلم كان في سابع وعشرين من رجب ، وأنكر ذلك إبراهيم الحربي وغيره ) . وقال ابن تيمية رحمه الله : ( لم يقم دليل معلوم لا على شهرها ، ولا عشرها ، ولا عينها ؛ بل النقول في ذلك منقطعة مختلفة ، ليس فيها ما يقطع به ) . على أنه لو ثبت تعيين ليلة الإسراء والمعراج لما شرع لأحد تخصيصها بشيء ، لأنه لم يثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم ولا عن أحد من صحابته أو التابعين لهم بإحسان أنهم جعلوا لليلة الإسراء مزية عن غيرها ، فضلا عن أن يقيموا احتفالا بذكراه ، بالإضافة إلى ما يتضمنه الاحتفال بها من البدع والمنكرات .

        مقدمة عن الإسراء والمعراج :

وبينا النبي صلى الله عليه وسلم في هذه المرحلة  التي كانت دعوته تشق فيها طريقا بين النجاح والاضطهاد ، وكانت تتراءى نجوما ضئيلة  تتلمح في آفاق بعيدة ، وقع حادث الإسراء والمعراج .

        لماذا كانت الرحلة إلى المسجد الأقصى وليست إلى السماء مباشرة :

لماذا كانت الرحلة إلى بيت المقدس ، ولم تبدأ من المسجد الحرام إلى سدرة المنتهى مباشرة ؟

إن هذا يرجع بنا إلى تاريخ قديم ، فقد ظلت النبوات دهورا طوالا في بني إٍسرائيل ، وظل بيت المقدس مهبط الوحي ، ومشرق أنواره على الأرض . فلما  أهدر اليهود كرامة الوحي ، وأسقطوا أحكام السماء ، حلت بهم لعنة الله ، وتقرر تحويل النبوة عنهم إلى الأبد ! ومن ثم كان مجيء الرسالة إلى محمد صلى الله عليه وسلم ؛ انتقالا بالقيادة الروحية في العالم من أمة إلى أمة ، ومن بلد إلى بلد ، ومن ذرية إسرائيل إلى ذرية إسماعيل . وقد كان غضب اليهود مشتعلا لهذا التحول ، مما دعاهم إلى المسارعة بإنكاره . قال تعالى : ( بئسما اشتروا به أنفسهم أن يكفروا بما أنزل الله بغيا أن ينزل الله من فضله على من يشاء من عباده فبآءو بغضب على غضب ) . ولكن إرادة الله مضت ، وحمّلت الأمة الجديدة رسالتها ، وورث النبي العربي تعاليم إبراهيم وإسماعيل ويعقوب عليهم وعلى نبينا الصلاة والسلام ،  وقام يكافح لنشرها ، وجمع الناس عليها ، فكان من وصل الحاضر بالماضي ، وإدماج الكل في حقيقة واحدة أن يعتبر المسجد الأقصى ثالث الحرمين في الإسلام ، وأن ينتقل إليه الرسول صلى الله عليه وسلم في إسرائه ، فيكون هذا الانتقال احتراما للإيمان الذي درج – قديما – في رحابه ..

        ما الحكمة من الإسراء :

ذلك  والله عز وجل يتيح لرسله  فرص الاطّلاع على المظاهر الكبرى لقدرته ، حتى يملأ قلوبهم ثقة فيه ، واستنادا إليه ، إذ يواجهون قوى الكفار المتألبة ، ويهاجمون سلطانهم القائم . فقبل أن يرسل الله موسى شاء أن يريه عجائب قدرته ، فأمره أن يلقي عصاه ، قال : ( ألقها يا موسى فألقاها فإذا هي حية تسعى * قال خذها ولا تخف سنعيدها سيرتها الأولى * واضمم يدك إلى جناحك تخرج بيضاء من غير سوء ءاية أخرى * لنريك من ءاياتنا الكبرى )  . فلما ملأ قلبه إعجابا بمشاهد هذه الآيات الكبرى ، قال له بعد ذلك : ( اذهب إلى فرعون إنه طغى .. ) . وقد علمت أن ثمرة الإسراء والمعراج إطلاع الله نبيه على هذه الآيات الكبرى ، وربما تقول : إن ذلك حدث بعد الإرسال إليه بقريب من اثني عشر عاما ، على عكس ما وقع لموسى ! وهذا حق ، وسرّه ما أسلفنا بيانه من أن الخوارق في سير المرسلين الأولين قصد بها قهر الأمم على الاقتناع بصدق النبوة ؛ فهي تدعيم لجانبهم أمام اتهام الخصوم لهم بالادّعاء ، وسيرة محمد صلى الله عليه وسلم فوق هذا المستوى .

        تعيين زمن الإسراء :

اختلف في تعيين زمنه على أقوال شتى :

  1. فقيل : كان الإسراء في السنة التي أكرمه الله فيها بالنبوة ، اختاره الطبري .
  2. وقيل : كان بعد المبعث بخمس سنين ، رجح ذلك النووي ، والقرطبي .

3. وقيل : كان ليلة السابع والعشرين من شهر رجب سنة 10 من النبوة ، واختاره العلامة المنصورفوري .

  1. وقيل : قبل الهجرة بستة عشر شهرا ، أي في رمضان سنة 12 من النبوة .
  2. وقيل : قبل الهجرة بسنة وشهرين ، أي في المحرم سنة 13 من النبوة .
  3. وقيل : قبل الهجرة بسنة ، أي في ربيع الأول سنة 13 من النبوة .

–        انتهى –

                                   فاللهم صل وسلم على نبينا وحبيبنا محمد ” عليه الصلاة والسلام “

المراجع :

–  من كتاب المناسبات الموسمية بين الفضائل والبدع والأحكام للمؤلفة أ / حنان بنت علي بن محمد اليماني  –  فصل :  فضائل شهر رجب في الميزان  ( ص 90- 91 ) طبعة مكتب الأسدي .

–        من كتاب الرحيق المختوم للمؤلف الشيخ / صفي الدين المباركفوري رحمه الله – فصل : الإسراء والمعراج ( ص 132 ) طبعة : دار ابن حزم .

–        من كتاب فقه السيرة للمؤلف الشيخ / محمد الغزالي رحمه الله – فصل : الإسراء والمعراج  ( ص 138 – 143 ) طبعة : دار القلم .

28. قطوف من السيرة المحمدية ” عودته من الطائف إلى مكة “

                 بسم الله الرحمن الرحيم

قطوف من السيرة المحمدية

على صاحبها أفضل الصلاة وأزكى التسليم

 ” العناوين “

نبذة عن قرن المنازل ، لقاء جبريل مع النبي صلى الله عليه وسلم لما بلغ قرن المنازل ، قال تعالى : ( وإنك لعلى خلق عظيم ) ، الجن يستمعون للقرآن الكريم ،  نبذة عن مسجد الجن ، نبينا الكريم يبلغ دعوته للجن ، العفو عند المقدرة ، إنا لننصر رسلنا والذين آمنوا ، العودة إلى مكة ، المراجع .

” التفاصيل “

        نبذة عن قرن المنازل :

القرن بقاف مثناة وراء مهلة ساكنة : كل جبل صغير منقطع من جبل كبير ، وقرن المنازل ميقات أهل نجد وما جاورها من أهل الخليج ، وغيرهم من القادمين عن طريق الرياض – الطائف ، ونظرا لوجود طريقين رئيسين إلى مكة المكرمة تم تحديد نقطة الميقات والإحرام ببناء مسجدين عليهما وتعرف بميقات السيل الكبير وميقات وادي محرم .

        لقاء جبريل عليه السلام مع النبي صلى الله عليه وسلم لما بلغ قرن المنازل :

عاد النبي صلى الله عليه وسلم من الطائف سنة عشر من النبوة / 619 م . حزينا على موقف أهل مكة والطائف ، روى البخاري أن النبي صلى الله عليه وسلم لما بلغ قرن المنازل جاءه جبريل وقال : إن الله قد سمع قول قومك لك وما ردّوا عليك ، وقد بعث الله  إليك ملك الجبال لتأمره بما شئت فيهم ، فناداني ملك الجبال فسلم علي ثم قال : يا محمد – صلى الله عيه وسلم – ذلك فيما شئت ، إن شئت أن أطبق عليهم الأخشبين لفعلت – والأخشبان : هم جبلا مكة ، أبو قبيس وما يقابله وهو قعيقعان  – فقال النبي صلى الله عليه وسلم : بل أرجو أن يخرج الله من أصلابهم من يعبد الله وحده لا يشرك به شيئا .

قال تعالى : ( وإنك لعلى خلق عظيم ) :

وفي هذا الجواب الذي أدلى به الرسول صلى الله عليه وسلم تتجلى شخصيته الفذة ، وما كان عليه من الخلق العظيم الذي لا يدرك غوره . وأفاق رسول الله صلى الله عليه وسلم واطمأن قلبه ، لأجل هذا النصر الغيبي الذي أمده الله عليه من فوق سبع سماوات ، ثم تقدم في طريق مكة حتى بلغ وادي نخلة ، وأقام فيه أياماً ، وفي وادي نخلة موضعان يصلحان للإقامة – السيل الكبير والزيمة – لما فيهما من الماء والخصب ، ولم نقف على مصدر يعين موضع إقامته صلى الله عليه وسلم فيه .

     الجن يستمعون للقرآن الكريم :

وخلال إقامته بعث الله إليه نفراً من الجن ، ذكرهم الله في موضعين من القرآن ، في سورة الأحقاف : ( وإذ صرفنا إليك نفراً من الجن يستمعون القرآن فلما حضروه قالوا أنصتوا فلما قضى ولوا إلى قومهم منذرين ، قالوا يا قومنا إنا سمعنا كتاباً أنزل من بعد موسى مصدقاً لما بين يديه يهدي إلى الحق وإلى طريق مستقيم ، يا قومنا أجيبوا داعى الله وءامنوا به  يغفر لكم من ذنوبكم ويجركم من عذاب أليم ) ” سورة الأحقاف 29-31 ” ، وفي سورة الجن : ( قل أوحي إلى أنه استمع نفر من الجن فقالوا إنا سمعنا قرءاناً عجبا ، يهدي إلى الرشد فآمنا به ولن نشرك بربنا أحداً ) إلى تمام الاية الخامسة عشر ، ومن سياق هذه الآيات – وكذا من سياق الروايات التي وردت في تفسير هذا الحادث – يتبين أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يعرف بحضور ذلك النفر من الجن ، وإنما علم ذلك حين أطلعه الله عليه بهذه الآيات ، وأن حضورهم هذا كان لأول مرة ، ويقتضي سياق الروايات أنهم وفدوا بعد ذلك مراراً ، وحقاً كان هذا الحادث نصراً آخر أمده الله من كنوز غيبه المكنون بجنوده التي لا يعلمها إلا هو ، ثم إن الآيات التي نزلت بصدد هذا الحادث كانت في طيها بشارات بنجاح دعوة النبي صلى  الله عليه وسلم ، وأن أي قوة من قوات الكون لا تستطيع أن تحول بينها وبين نجاحها ( ومن لا يجب داعي الله فليس بمعجز في الأرض وليس له من دون الله أولياء اولئك في ضلال مبين ) ” سورة الأحقاف 32 ” ، وقوله : ( وأنا ظننا أن لن نعجز الله في الأرض ولن نعجزه هربا ) ” سورة الجن 12 “.

نبذة عن مسجد الجن :

يقع مسجد الجن على يسار الصاعد إلى المعلاة وسمي بذلك لأن النبي صلى الله عليه وسلم خط لابن مسعود في هذا الموضع عندما جاء الجن يبايعون النبي صلى الله عليه وسلم وقد سبق أن التقوا به صلى الله عليه وسلم في موضع نخلة أثناء عودته صلى الله عليه وسلم من الطائف سنة عشرة من النبوة . وقد يطلق عليه مسجد الحرس أيضا . وقد جدد هذا المسجد في سنة 1421 هـ .

نبينا الكريم صلى الله عليه وسلم يبلغ دعوته للجن :

عن ابن مسعود رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لأصحابه وهو بمكة : من أحب منكم أن يحضر أمر الجن فليفعل ، فلم يحضر منهم أحد غيري ، قال : فانطلقنا حتى إذا كنا بأعلى مكة خط لي برجله خطا ثم أمرني أن أجلس فيه ، ثم انطلق حتى قام فافتتح القرآن فغشيته أسودة كثيرة حالت بيني وبينه حتى ما أسمع صوته ، ثم طفقوا يتقطعون مثل قطع السحاب ذاهبين حتى بقي منهم رهط ، ففرغ رسول الله صلى الله عليه وسلم مع الفجر . وفي رواية : فأتبعه ابن مسعود فدخل النبي صلى الله عليه وسلم شعبا يقال له : شعب الحجون ، وخط عليه وخط على ابن مسعود ليثبته بذلك. قال ابن مسعود رضي الله عنه : فجعلوا ( أي الجن ) ينتهون إلى الخط فلا يجوزنه ، ثم يصدرون إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم .

العفو عند المقدرة :

     لا شك أن الإنسان يحزنه أن تهجم على شخصه أو على من يحب ، وإذا واتته أسباب الثأر سارع إلى مجازاة السيئة بمثلها . ولا يقر له قرار إلا إذا أدخل الضيق على غريمه بقدر ما شعر به هو نفسه من ألم ، ولكن هناك مسلكا أنبل من ذلك ، وأرضى لله ، وأدل على العظمة والمروءة ، أن يبتلع غضبه فلا يتفجر ، وأن يقبض يده فلا يقتص ، وأن يجعل عفوه عن المسيء نوعا من شكر الله الذي أقدره على أن يأخذ بحقه إذا شاء . ويتجلى ذلك واضحا في قصة رسولنا الكريم صلى الله عليه وسلم حين قال بل ارجو أن يخرج الله من أصلابهم …

إنا لننصر رسلنا والذين آمنوا :

       أمام هذه النصرة ، وأمام هذه البشارات ، انقشعت سحابة الكآبة والحزن واليأس التي كانت مطبقة عليه منذ أن خرج من الطائف مطروداً مدحوراً ، حتى صمم على العودة إلى مكة ، وعلى القيام باستئناف خطته الأولى في عرض اٍلإسلام وإبلاغ رسالة الله الخالدة بنشاط جديد وجد وحماس ، وحينئذ قال له زيد بن حارثة : كيف تدخل عليهم وقد أخرجوك ؟ يعني قريشاً فقال : ( يا زيد إن الله جاعل لما ترى فرجاً ومخرجاً ، وإن الله ناصر دينه ومظهر نبيه ) .

     العودة إلى مكة :

وسار رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى دنا من مكة فمكث بحراء ، وبعث رجلاً من خزاعة إلى الأخنس بن شريق ليجيره ، فقال : أنا حليف ، والحليف لا يجير ، فبعث إلى سهل بن عمرو ، فقال سهيل : إن بني عامر لا تجبر على بني كعب ، فبعث إلى المطعم بن عدى ، فقال المطعم : نعم ، ثم تسلح ودعا بينه وقومه فقال : البسوا السلاح ، وكونوا عند أركان البيت ، فإني قد أجرت محمداً ، ثم بعث إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم : أن ادخل ، فدخل رسول الله صلى الله عليه وسلم ومعه زيد بن حارثة حتى انتهى إلى المسجد الحرام ، فقام المطعم بن عدي على راحلته فنادى : يا معشر قريش ،
إني قد أجرت محمداً فلا يهجعه أحد منكم ، وانتهى رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى الركن فاستلمه وصلى ركعتين ، وانصرف إلى بيته ، ومطعم بن عدي وولده محدقون به بالسلام حتى دخل بيته ، وقيل : إن أبا جهل سأل مطعماً : أمجير أنت أم متابع – مسلم – ؟ قال : بل مجير ، قال : قد أجرنا من أجرت ، وقد حفظ رسول الله صلى الله عليه وسلم للمطعم هذا الصنيع ، فقال في أسارى بدر : لو كان المطعم بن عدي حياً ثم كلمني في هؤلاء لتركتهم له .

–        انتهى –

                                   فاللهم صل وسلم على نبينا وحبيبنا محمد ” عليه الصلاة والسلام “

المراجع :

–  من كتاب خلق المسلم للمؤلف الشيخ / محمد الغزالي رحمه الله –  فصل :  الحلم والصفح ( ص 114- 115 ) طبعة دار القلم .

–        من كتاب الرحيق المختوم للمؤلف الشيخ / صفي الدين المباركفوري رحمه الله – فصل : المرحلة الثالثة دعوة الإسلام خارج مكة ( ص 120 – 124 ) طبعة : دار ابن حزم .

–        من كتاب تاريخ مكة المكرمة قديما وحديثا للمؤلف د / محمد إلياس عبد الغني حفظه الله – فصل : المرحلة الثالثة دعوة الإسلام خارج مكة ( ص 120 – 124 ) ، مسجد الجن ( 132 – 133 ) طبعة : دار ابن حزم .