27. قطوف من السيرة المحمدية ” سفره إلى الطائف “

                   بسم الله الرحمن الرحيم

قطوف من السيرة المحمدية

على صاحبها أفضل الصلاة وأزكى التسليم

 ” العناوين “

نبذة عن مدينة الطائف ،  رحلته إلى الطائف وما حصل له فيها ، رسول الله يؤذى في سبيل دعوته ، رسول الله يبتهل بالدعاء لربه عز وجل ، لقاءه مع الغلام النصراني ، المراجع .

” التفاصيل “

     نبذة عن مدينة الطائف :

الطائف بلدة في الحجاز على مسافة 65 ميلا جنوب شرق مكة ، وهي مشهورة بجودة مناخها وخصب أرضها وفواكهها ، ولاسيما العنب والبرقوق والرمان والخوخ وبها مياه جارية ويضرب بعنبها المثل في الحسن وربما جمد الماء فيها في الشتاء ، والجبل الذي هي عليه يقال له – غزوان – وهي مصيف أغنياء مكة .

     رحلته إلى الطائف :

ذهب رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى الطائف حيث تقطن ثقيف ، سيرا على قدميه جيئة وذهاباً ، فلما وصل إليها قصد إلى نفر من رجالاتها ، الذين ينتهي إليهم أمرها ، ثم كلمهم في الإسلام ، ودعاهم إلى الله ، فردوه – جميعاً – رداً منكراً – وأغلظوا له الجواب ، ومكث عشرة أيام ، يتردد على منازلهم دون جدوى .

     رسول الله يؤذى في سبيل دعوته :

فلما يئس الرسول عليه الصلاة والسلام من خيرهم ، قال لهم : إذا أبيتم فاكتموا عليّ ذلك – كراهية أن يبلغ أهل مكة ، فتزداد عداوتهم وشماتتهم ، لكن القوم كانوا أخس مما ينتظر، قالوا له : أخرج من بلدنا ، وحرشوا عليه الصبيان والرعاع ، فوقفوا له صفين يرمونه بالحجارة ، وزيد بن حارثة يحاول – عبثاً – الدفاع عنه ، حتى شج في ذلك رأسه .

وأصيب الرسول عليه الصلاة والسلام في أقدامه ، فسالت منها الدماء ، واضطره المطاردون إلى أن يلجأ إلى بستان لعتيبة وشيبة ابني ربيعة ، حيث جلس في ظل كرمة يلتمس الراحة والأمن .

     رسول الله يبتهل بالدعاء لربه عز وجل :

وكان أصحاب البستان فيه ، فصرفوا الأوباش عنه ، واستوحش الرسول عليه الصلاة والسلام لهذا الحاضر المرير ، وثابت إلى نفسه ذكريات الأيام التي عاناها مع أهل مكة ، أنه يجر وراءه سلسلة ثقيلة من المآسي المتلاحقة ، فهتف يقول :

( اللهم إليك أشكو ضعف قوتي ، وقلة حيلتي ، وهواني على الناس ، أنت أرحم الراحمين ، أنت رب المستضعفين ، وأنت ربي ، إلى من تكلني ؟ إلى بعيد يتجهمني ، أم إلى عدو ملكته أمري ، إن لم يكن بك غضب عليّ فلا أبالي ، غير أن عافيتك هي أوسع لي ؟ . أعوذ بنور وجهك الذي أشرقت له الظلمات ، وصلح عليه أمر الدنيا والآخرة ، أن يحل عليّ غضبك ، أو أن ينزل بي سخطك ، لك العتبى حتى ترضى ، ولا حول ولا قوة إلا بك ) .

     لقاءه مع الغلام النصراني :

وتحركت عاطفة القرابة في قلوب ابني ربيعة ، فدعوا غلاماً لهما نصرانياً يدعى ( عداسا )  وقالا له : خذ قطفاً من العنب ، واذهب به إلى الرجل . فما وضعه بين يدي رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى مد يده إليه قائلاً : باسم الله ، ثم أكل .

فقال عداس : إن هذا الكلام ما يقوله أهل هذه البلدة ، فقال له النبي صلى الله عليه وسلم ( من أي البلاد أنت ؟ ) قال : أنا نصراني من نينوي ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم ( أمن قرية الرجل الصالح يونس بن متّي ؟ ) قال له : وما يدريك ما يونس ؟ ، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ( ذلك أخي ، كان نبياً وأنا نبي ) فأكب عداس على يدي رسول الله صلى الله عليه وسلم ورجليه يقبلهما . فقال : ابنا ربيعة أحدهما للآخر : أما غلامك فقد أفسده عليك ! فلما جاء عداس قالا له : ويحك ما هذا ؟ قال : ما في الأرض خير من هذا الرجل ، فحاول الرجلان توهين أمر محمد ، وتمسك الرجل بدينه القديم ، كأنما عز عليهما أن يخرج محمد صلى الله عليه وسلم من الطائف بأي كسب .

–        انتهى –

                                   فاللهم صل وسلم على نبينا وحبيبنا محمد ” عليه الصلاة والسلام “

المراجع :

–  من كتاب محمد رسول الله ” صلى الله عليه وسلم ” للمؤلف الأستاذ / محمد رضا رحمه الله –  فصل :  سفره إلى الطائف ( ص 107 ) طبعة دار الكتاب العربي .

–        من كتاب فقه السيرة للمؤلف الشيخ / محمد الغزالي رحمه الله – فصل : في الطائف ( ص 134 – 137 ) طبعة : دار القلم .

26. قطوف من السيرة المحمدية ” لماذا أطلق عليه عام الحزن “

  بسم الله الرحمن الرحيم

قطوف من السيرة المحمدية

على صاحبها أفضل الصلاة وأزكى التسليم

 ” العناوين “

ما الفرق بين الحزم والغم والهم ،  وفاة أبي طالب ، دور أبي طالب للإسلام  ، أم المؤمنين خديجة إلى رحمة الله ،  نبذة عن فضل أم المؤمنين خديجة رضي الله عنها ، تراكم الأحزان ، من الذي سمى هذا العام بعام الحزن ، الزواج بأول أمهات المؤمنين بعد أم المؤمنين خديجة  ، المراجع .

” التفاصيل “

     ما الفرق بين الحزن والغم و الهم :

 الحزن : بضم الحاء المهملة ، وإسكان الزاي ، وهو الغم على الفائت وبفتحهما ضد السرور ، قيل : والفرق بين الهم والحزن أن الهم إنما يكون لأمر متوقع ، وأما الحزن يكون من أمر قد وقع ، وقيل أيضا أن الهم يكون للمستقبل وأما الحزن فيكون على الماضي ، وقيل : الفرق بينهما بالشدة والضعف فالهم أشد في النفس من الحزن لما يحصل فيها من الغم بسببه .

وفاة أبي طالب :

ألح المرض بأبي طالب ، فلم يلبث أن وافته المنية ، وكانت وفاته في رجب سنة عشر من النبوة ، بعد الخروج من الشعب بستة أشهر . وقيل : توفي في رمضان قبل وفاة خديجة رضي الله عنها بثلاثة أيام .

وفي الصحيح عن المسيب : أن أبا طالب لما حضرته الوفاة دخل عليه النبي صلى الله عليه وسلم وعنده أبو جهل ، فقال : ” أي عم ، قل : لا إله إلا الله ، كلمة أحاج لك بها عند الله ، فقال أبو جهل وعبد الله بن أمية : با أبا طالب ، ترغب عن ملة عبد المطلب ؟ فلم يزالا يكلماه حتى قال آخر شيء كلمهم به : على ملة عبد المطلب . ولما مات أبو طالب قال له النبي صلى الله عليه وسلم : ” رحمك الله وغفر لك لا أزال استغفر لك حتى ينهاني الله ” ، فأخذ المسلمون يستغفرون لموتاهم الذين ماتوا وهم مشركون فأنزل الله : ( ما كان للنبي والذين أمنوا أن يستغفروا للمشركين ولو كانوا أولى قربى من بعد ما تبين لهم أنهم أصحاب الجحيم ) ” سورة التوبة 113 ” ونزلت ( إنك لا تهدي من أحببت ) ” سورة القصص 56 ” .

دور أبي طالب للإسلام :

ولا حاجة إلى بيان ما كان عليه أبو طالب من  الحياطة والمنع ، فقد كان الحصن الذي تحتمي به الدعوة الاسلامية من هجمات الكبراء والسفهاء ، ولكنه بقي على ملة الأشياخ من أجداده ، فلم يفلح كل الفلاح ، ففي الصحيح عن العباس بن عبد المطلب ، قال للنبي صلى الله عليه وسلم : ما أغنيت عن عمك ، فإنه كان يحوطك ويغصب لك ؟ قال : ( هو في ضحضاح من نار ، ولولا أنا لكان في الدرك الأسفل من النار ) . وعن أبي سعيد الخدري أنه سمع النبي صلى الله عليه وسلم – وذكر عند عمه – فقال : لعله تنفعه شفاعتي يوم القيامة ، فيجعل في ضحضاح من النار تبلغ كعبيه .

أم المؤمنين خديجة إلى رحمة الله :

وبعد وفاة أبو طالب بنحو شهرين أو ثلاثة – على اختلاف القولين – توفيت أم المؤمنين خديجة الكبرى رضي الله عنها ، كانت وفاتها في شهر رمضان في السنة العاشرة من النبوة ، ولها خمس وستون سنة ، ورسول الله صلى الله عليه وسلم إذ ذاك في الخمسين من عمره .

نبذة عن فضل أم المؤمنين خديجة رضي الله عنها :

إن خديجة كانت من نعم الله الجليلة على رسول الله صلى الله عليه وسلم ، بقيت معه ربع قرن تحن عليه ساعة قلقه ، وتؤازره في احرج أوقاته ، وتعينه على إبلاغ رسالته ، وتشاركه في مغارم الجهاد المر ، وتواسيه بنفسها ومالها ، يقول رسول الله صلى الله عليه وسلم ( آمنت بي حين  كفر بي  الناس وصدقتني حين كذبني الناس ، وأشركتني في مالها حين حرمني الناس ، ورزقني الله ولدها ، وحرم ولد غيرها ) . وفي الصحيح عن أبي هريرة قال : أتى جبريل النبي صلى الله عليه وسلم ، فقال : يا رسول الله هذه خديجة ، قد أتت ، معها إناء فيه إدام أو طعام أو شراب ، فإذا هي أتتك فأقرأ عليها السلام من ربها ، وبشرها ببيت في الجنة من قصب لا صخب فيه ولا نصب .

تراكم الأحزان :

وقعت هاتان الحادثتان المؤلمتان خلال أيام معدودة ، فاهتزت مشاعر الحزن والألم في قلب رسول الله صلى الله عليه وسلم ، ثم لم تزل تتوالى عليه المصائب من قومه ، فقد كانوا تجرؤوا عليه وكاشفوه بالنكال والأذى بعد موت أبي طالب ، فازداد غماً على غم ، حتى يئس منهم وخرج إلى الطائف ، رجاء أن يستجيبوا لدعوته أو يؤووه وينصروه على قومه ، لم ير من يؤوي ولم ير ناصراً ، وآذوه مع ذلك أشد الأذى ، ونالوا منه ما لم ينله قومه .

وكما اشتدت وطأة أهل مكة على النبي صلى الله عليه وسلم ، اشتدت على أصحابه ، حتى التجأ رفيقه أبو بكر الصديق رضي الله عنه إلى الهجرة عن مكة ، فخرج حتى بلغ برك الغماد ، يريد الحبشة ، فأرجعه ابن الدغنة في جواره .

قال ابن إسحاق : لما هلك أبو طالب نالت قريش من رسول الله صلى الله عليه وسلم من الأذى ما لم تطمع به في حياة أبي طالب ، حتى اعترضه سفيه من سفهاء قريش ، فنثر على رأسه تراباً ، ودخل بيته ، والتراب على رأسه ، فقامت إليه إحدى بناته ، فجعلت تغسل عنه التراب وهي تبكي ، ورسول الله صلى الله عليه وسلم يقول لها : لا تبكي يا بنية ، فإن الله مانع أباك ) قال : ويقول بين ذلك 🙁 ما نالت مني قريش شيئاً أكرهه حتى مات أبو طالب ) .

من الذي سمى هذا العام بعام الحزن :

ولأجل توالي مثل هذه الآلام في هذا العام سماه رسول الله صلى الله عليه وسلم عام الحزن وبهذا اللقب صار معروفاً في التاريخ .

الزواج بأول أمهات المؤمنين بعد خديجة ” سودة بنت زمعة رضي الله عنها ” :

وفي شهر شوال من هذه السنة سنة 10 من النبوة – تزوج رسول الله صلى الله عليه وسلم سودة بنت زمعة ، كانت ممن أسلم قديماً ، وهاجرت الهجرة الثانية إلى الحبشة ، وكان زوجها السكران بن عمرو ، وكان قد أسلم وهاجر معها ، فمات بأرض الحبشة ، أو بعد الرجوع إلى مكة ، فلما حلت خطبها رسول الله صلى الله عليه وسلم وتزوجها ، وكانت أول امرأة تزوجها بعد وفاة خديجة وبعد عدة أعوام وهبت نوبتها لعائشة .

–        انتهى –

                                   فاللهم صل وسلم على نبينا وحبيبنا محمد ” عليه الصلاة والسلام “

المراجع :

–  من كتاب تحفة الذاكرين للمؤلف الإمام محمد الشوكاني رحمه الله –  فصل :  أذكار الصباح والمساء ( ص 92 ) طبعة دار الكتاب العربي .

–        من كتاب الرحيق المختوم للمؤلف الشيخ / صفي الدين المباركفوري رحمه الله – فصل : عام الحزن ( ص 110 – 112 ) طبعة : دار ابن حزم .

–        من كتاب محمد صلى الله عليه وسلم للمؤلف الأستاذ / محمد رضا رحمه الله – فصل : وفاة أبي طالب سنة 620 م : ( ص 106 ) طبعة : دار الكتاب العربي  .

25. قطوف من السيرة المحمدية ” ضربات مدوية تقض مضطجع قريش “

                    بسم الله الرحمن الرحيم

قطوف من السيرة المحمدية

على صاحبها أفضل الصلاة وأزكى التسليم

 ” العناوين “

تعريف المقاطعة الاقتصادية ، نماذج من صور المقاطعة الاقتصادية عبر التاريخ ، ضربات مدوية تقض مضطجع قريش ، ميثاق الظلم والعدوان ، قول العلامة ابن قيم الجوزية رحمه الله عن كاتب الوثيقة ، ثلاثة أعوام في شعب أبي طالب ،  نقض صحيفة الميثاق ، المراجع .

” التفاصيل “

تعريف المقاطعة الاقتصادية :

       أولا : عرفت الموسوعة العربية العالمية ، المقاطعة الاقتصادية بأنها : ” رفض التعامل مع شخص أو منظمة أو دولة ” . وهذا التعريف غير مانع ؛ لأنه يدخل فيه أنواع أخرى من المقاطعة ، كالمقاطعة السياسية والاجتماعية .

       ثانيا : جاء في المعجم الوسيط تعريف للمقاطعة بشكل عام ، على أنها : ” الامتناع عن معاملة الآخرين اقتصاديا أو اجتماعيا وفق نظام جماعي مرسوم ” .

       وبناءً على ما سبق فإننا يمكن أن نعرّف المقاطعة الاقتصادية بأنها : ” الامتناع عن معاملة الآخر اقتصاديا وفق نظام جماعي مرسوم بهدف الضغط عليه لتغيير سياسته تجاه قضية من القضايا ” .

نماذج من صور المقاطعة الاقتصادية عبر التاريخ :

       لقد ذخر التاريخ الإنساني على مر العصور ، بالكثير من الأمثلة والصور التي استخدم فيها سلاح المقاطعة الاقتصادية كوسيلة من وسائل الضغط ، لإخضاع الطرف الآخر لتغيير سياسته تجاه قضية من القضايا ، وقد ذكر المؤلف صورا عديدة نذكر منها ما يخص السيرة المحمدية على صاحبها أفضل الصلاة وأزكى التسليم فمنها :

تآمر قريش واتفاقهم ، على مقاطعة بني هاشم ، وبني عبد المطلب ، وذلك بأن لا ينكحوا إليهم ولا ينكحوهم ولا يبيعوهم شيئا ولا يبتاعوا منهم ، وقد استمرت هذه المقاطعة ثلاث سنوات .

ضربات مدوية تقض مضطجع قريش :

وقعت حوادث ضخمة – بالنسبة إلى المشركين – خلال أربعة أسابيع ، أو في أقل مدة منها ” أسلم حمزة ، ثم أسلم عمر ، ثم رفض محمد صلى الله عليه وسلم مساومتهم ، ثم تواثق بنو المطلب ، وبنو هاشم كلهم مسلمهم وكافرهم ، على حياطة محمد صلى الله عليه وسلم ومنعه ، حار المشركون ، وحقت لهم الحيرة ، إنهم عرفوا أنهم لو قاموا بقتل محمد صلى الله عليه وسلم يسيل وادي مكة دونه بدمائهم ، بل ربما يفضي إلى استئصالهم ، عرفوا ذلك فانحرفوا إلى ظلم آخر دون القتل ، لكن أشد مضاضة عما فعلوا بعد .

ميثاق الظلم والعدوان :

اجتمعوا في خيف بني كنانة من وادي المحصب فتحالفوا ، على بني هاشم وبني المطلب أن لا يناكحوهم ، ولا يبايعوهم ، ولا يجالسوهم ، ولا يخالطوهم ، ولا يدخلوا بيوتهم ، ولا يكلموهم ، حتى يسلموا إليهم رسول الله صلى الله عليه وسلم للقتل ، وكتبوا بذلك صحيفة فيها عهود ومواثيق” أن لا يقبلوا من بني هاشم صلحاً أبداً ، ولا تأخذهم بهم رأفة حتى يسلموه للقتل ”  .

قول العلامة ابن قيم الجوزية رحمه الله عن كاتب الوثيقة :

” قال ابن القيم ” يقال : كتبها منصور بن عكرمة بن عامر بن هاشم ، ويقال : نضر بن الحارث ، والصحيح أنه
بغيض بن عامر بن هاشم ، فدعا عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم فشلت يده . تم هذا الميثاق ، وعلقت الصحيفة في جوف الكعبة ، فانحاز بنو هاشم وبنو المطلب مؤمنهم وكافرهم – إلا أبا لهب – وحبسوا في شعب أبي طالب ليلة هلال المحرم سنة سبع من البعثة .

ثلاثة أعوام في شعب أبي طالب :

       واشتد الحصار ، وقطعت عنهم المؤونة والمادة ، فلم يكن المشركون يتركون طعاماً يدخل مكة ولا بيعاً إلا بادروه فاشتروه ، حتى بلغهم الجهد ، والتجأوا إلى أكل الأوراق والجلود ، وحتى كان يسمع من وراء الشعب أصوات نسائهم وصبيانهم يتضاغون من الجوع ، وكان لا يصل إليهم شيء إلا سراً ، وكانوا لا يخرجون من الشعب لشراء الحوائج إلا في الأشهر الحرم ، وكانوا يشترون من العير التي ترد مكة من خارجها ، لأن أهل مكة كانوا يزيدون عليهم في قيمة السلعة حتى لا يستطيعوا الشراء .

نقض صحيفة الميثاق :

       مرت ثلاثة أعوام كاملة والأمر على ذلك ، وفي المحرم سنة عشر من النبوة حدث نقض الصحيفة وفك الميثاق ، وذلك أن قريشاً كانوا بين راض بهذا الميثاق وكاره له ، فسعى في نقض الصحيفة من كان كارهاً لها .

وكان القائم بذلك هشام بن عمرو من بني عامر بن لؤي – وكان يصل بني هاشم في الشعب مستخفياً بالليل بالطعام – فإنه ذهب إلى زهير بن أبي أمية المخزومي – وكانت أمه عائكة بنت عبد المطلب – وقال : يا زهير ، أرضيت أن يأكل الطعام ، ويشرب الشراب ، وأخوالك كما تعلم ؟ فقال : ويحك ، فما أصنع وأنا رجل واحد ؟ أما الله لو كان معي رجل آخر
لقمت في نقضها – قال : قد وجدت رجلاً ، قال : فمن هو ؟ قال : أنا . قال له زهير : ابغنا رجلاً ثالثاً .

فذهب إلى المطعم بن عدي ، فذكره أرحام بني هاشم وبني المطلب ابني عبد مناف ، ولامه على موافقته لقريش على هذا الظلم ، فقال المطعم : ويحك ، ماذا أصنع . إنما انا رجل واحد ، قال : قد وجدت ثانياً ، قال : من هو ؟ قال : أنا ، قال : ابغنا ثالثاً . قال : قد فعلت . قال : من هو ؟ قال : زهير بن أبي أمية ، قال : ابغنا رابعاً .

فذهب إلى أبي البختري بن هشام ، فقال له نحواً مما قال للمطعم ، فقال : وهل من أحد يعين على هذا ؟ قال : نعم . قال : من هؤلاء : قال : زهير بن أبي أمية ، والمطعم بن عدي ، وأنا معك ، قال : ابغنا خامساً .

فذهب إلى زمعة بن الأسود بن المطلب بن أسد ، فكلمه ، وذكر له قرابتهم وحقهم ، فقال له : وهل على هذا الأمر الذي تدعوني إليه من أحد ؟ قال : نعم ، ثم سمى له القوم ، فاجتمعوا عند الحجون وتعاقدوا على القيام بنقض الصحيفة ، وقال زهير : أنا أبدأكم فأكون أول من يتكلم .

فلما أصبحوا غدوا إلى أنديتهم ، وغدا زهير عليه حلة ، فطاف بالبيت سبعاً ، ثم أقبل على الناس ، فقال : يا أهل مكة أنأكل الطعام ، ونلبس الثياب ، وبنو هاشم هلكى ، لا يباعون ولا يبتاع منهم ؟ والله لا أقعد حتى تشق هذه الصحيفة القاطعة الظالمة .

قال أبو جهل – وكان في ناحية المسجد – : كذبت ، والله لا تشق . فقال زمعة بن الأسود : أنت والله أكذب . ما رضينا كتابتها حيث كتبت . قال أبو البختري  : صدق زمعة ، لا نرضى ما كتب فيها ولا نقر به  .قال المطعم بن عدي : صدقتما وكذب من قال غير ذلك ، نبرأ إلى الله منها ومما كتب فيها . وقال هشام بن عمر نحواً من ذلك .

فقال أبو جهل : هذا أمر قضي بليل ، تشوور فيه بغير هذا المكان . وأبو طالب جالس في ناحية المسجد ، إنما جاءهم لأن الله كان قد أطلع رسوله على أمر الصحيفة ، وأنه أرسل عليها الأرضة ، فأكلت جميع ما فيها من جوى وقطيعة وظلم إلا ذكر الله عز وجل ، فأخبر بذلك عمه ، فخرج إلى قريش فأخبرهم أن ابن أخيه قد قال كذا وكذا ، فإن كان كاذباً خلينا بينكم وبينه ، وإن كان صادقاً رجعتم عن قطعيتنا وظلمنا ، قالو : قد أنصفت . وبعد أن دار الكلام بين القوم وبين أبي جهل ، قام المطعم إلى الصحيفة ليشقها ، فوجد الأرضة قد أكلتها إلا (( باسمك اللهم )) . وما كان فيها من اسم الله فإنها لم تأكله .

تم نقض الصحيفة ، وخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم ومن معه من الشعب ، وقد رأى  المشركون آية عظيمة من آيات نبوته ، ولكنهم كما أخبر الله عنهم ، ( وإن يروا ءاية يعرضوا ويقولوا سحر مستمر ) : ” سورة : القمر 2 “. أعرضوا عن هذه الآية وازدادوا كفراً إلى كفرهم .

–        انتهى –

                                   فاللهم صل وسلم على نبينا وحبيبنا محمد ” عليه الصلاة والسلام “

المراجع :

–        من كتاب الرحيق المختوم للمؤلف الشيخ / صفي الدين المباركفوري رحمه الله – فصل : المقاطعة العامة ( ص 104 – 107 ) طبعة : دار ابن حزم .

–        من كتاب المقاطعة الاقتصادية حقيقتها وحكمها دراسة فقية تأصيلية للمؤلف للدكتور / خالد بن عبد الله الشمراني حفظه الله  – المبحث الأول : تعريف المقاطعة الاقتصادية ، المطلب الثاني :  تعريف المقاطعة الاقتصادية باعتبارها لقبا . ( ص15 ) .المبحث الثالث : نماذج من صور المقاطعة الاقتصادية عبر التاريخ . طبعة ( ص 22 ) طبعة : دار ابن حزم .

24. قطوف من السيرة المحمدية ” حماقة أبي جهل أثمر عنها إسلام أبي عمارة – أسد الله – “

بسم الله الرحمن الرحيم

قطوف من السيرة المحمدية

على صاحبها أفضل الصلاة وأزكى التسليم

 ” العناوين “

تعريف الحماقة ، عناد مقيت وهوى أحمق ، ذكر نماذج لبعض الحمقى الذين أدركوا النبي صلى الله عليه وسلم ولم يؤمنوا به لحمقهم ، حماقة أبي جهل أثمر عنها إسلام أبي عمارة ” أسد الله ” ، إسلام فاروق الأمة عمر ابن الخطاب ، المراجع .

” التفاصيل “

تعريف الحماقة :

قال ابن الأعرابي : الحماقة مأخوذة من حمقت السوق إذا كسدت فكأنه كاسد العقل والرأي ، فلا يشاور ولا يلتفت إليه في أمر من أموره . قال الشاعر :

لكل داء دواء يستطب به ،،، إلا الحماقة أعيت من يداويها

عناد مقيت وهوى أحمق :

طال تعجبي من أقوام لهم أنفة ، وعندهم كبر زائد عن الحد ، خصوصا العرب الذين من كلمة ينفرون ، ويحاربون ، ويرضون بالقليل ، حتى أن قوما منهم أدركوا الإسلام ، فقالوا : كيف نركع ، ونسجد ، فتعلونا استاهنا ” مؤخرتهم ”  ؟ فقال : رسول الله صلى الله عليه وسلم : ” لا خير في دين ليس فيه ركوع ولا سجود ” ، ومع هذه الأنفة يذلون لمن هم خير منهم .. هذا يعبد حجرا ، وهذا يعبد خشبة ، وقد كان قوم يعبدون الخيل والبقر ، وإن هؤلاء لأخس من إبليس ، فإن إبليس أنف لادعائه الكمال أن يسجد لناقص ، فقال : ( أنا خير ) ” الأعراف :12 ” ، وفرعون أنف أن يعبد شيئا أصلا . فالعجب من ذل هؤلاء المفتخرين المتعاظمين المتكبرين لحجر أو خشبة ! وإنما ينبغي أن يذل الناقص للكامل . فنعوذ بالله من حماقة هوى يغطي على نور العقل ، ونسأله إلهام الرشد ، والعمل بمقتضى الحق ! .

ذكر نماذج لبعض الحمقى الذين أدركوا النبي صلى الله عليه وسلم ولم يؤمنوا به لحمقهم :

أولهم : أمية بن أبي الصلت الثقفي :

أقر برسول الله صلى الله عليه وسلم فكلما هم أن يذهب له ليؤمن به ، يعود فيقول : لا أؤمن برسول ليس من ثقيف .

 ثانيهم : أبو جهل ” عمرو بن هشام ”  :

يقول : والله ما كذب محمد قط ، ولكن إذا كانت السدانة – خدمة الكعبة – والحجابة في بني هاشم ثم النبوة ، فما بقي لنا ؟  . وفي رواية :  قال – معللا كفره برسالة محمد صلى الله عليه وسلم – : زاحمنا بنو عبد مناف في الشرف ، حتى إذا صرنا كفرسي رهان ، قالوا : منا نبي يوحى إليه ! والله لا نؤمن به ، ولا نتبعه أبدا إلا أن يأتينا وحي كما يأتيه !

حماقة أبي جهل أثمر عنها إسلام أبي عمارة – أسد الله – :

إن الأفق المتلبد بالسحب قد يتولد منه برق يضيء ، لقد غبرت على المسلمين في مكة أيام عكاظ ، اضطرت بيوتا عديدة أن تفرّ بدينها ، وبقي من بقي منهم يكابد العنت من شطط المشركين وكيدهم ، إلا أن عناصر جديدة دخلت في الإسلام جعلت قريشا تتروى في أمرها ، قبل أن تقدم على إساءاتها المبيتة .

أسلم حمزة بن عبد المطلب ، عم النبي صلى الله عليه وسلم وأخوه من الرضاع ، وهو رجل أيد جلد ، قوي الشكيمة ، وسبب إسلامه الغضب لما بلغه من تهجم أبي جهل على رسول الله صلى الله عليه وسلم تهجما بذيئا ، قالت له أمة لعبد الله بن جدعان : يا أبا عمارة ! لو رأيت ما لقي ابن أخيك ( محمد ) من أبي الحكم بن هشام ، فإنه سبه وآذاه ، ثم انصرف عنه ، ولم يكلمه محمد – وكانت المرأة قد شهدت هذا الحادث من مسكن قريب – فأسرع حمزة محنقا ، لا يلوي على شيء ، وأقبل على أبي جهل وهو في مجلسه من قومه ، ثم ضرب رأسه بالقوس ، فشجه شجة منكرة وقال : أتشتمه وأنا على دينه ؟! .

وكما يقول البعض : طلبنا العلم للدنيا ، فأبى الله إلا أن يكون للدين ! كان إسلام حمزة أول الأمر أنفة رجل أبى أن يهان مولاه ، ثم شرح الله صدره ، فاستمسك بالعروة الوثقى ، واعتزّ به المسلمون أيما اعتزاز .

 إسلام فاروق الأمة عمر ابن الخطاب رضي الله عنه :

كان عمر بن الخطاب أول الفتانين المستهزئين بالإٍسلام ، وكان معروفا بحدة الطبع ، وقوة الشكيمة ، وطالما لقيَ المسلمون منه ألوان الأذى .

روت زوجة عامر بن ربيعة قالت : إنا لنرحل إلى أرض الحبشة  ، وقد ذهب عامر لبعض حاجته ‘ إذ أقبل عمر – وهو على شركه – حتى وقف عليّ ، وكنا نلقى منه البلاء ، فقال : أتنطلقون يا أم عبد الله ؟ قالت : نعم والله لنخرجن في أرض الله ، فقد آذيتمونا ، وقهرتمونا ، حتى يجعل الله لنا فرجا . قالت : فقال عمر : صحبكم الله ، ورأيت له رقة وحزنا .. !  قالت : فلما عاد عامر أخبرته ، وقلت له : لو رأيت عمر ورقته وحزنه علينا … قال : أطمعت في إسلامه ؟ قلت : نعم . فقال : لا يسلم حتى يسلم حمار الخطاب !! – لما كان يراه الرجل من شدته وغلظته على المسلمين .

ولكن قلب المرأة كان أصدق من رأي الرجل ، فإن غلظة عمر كانت قشرة خفيفة ، تكمن وراءها ينابيع الرقة والعطف والسماحة . والظاهر أن عمر كانت تصطرع في نفسه مشاعر متناقضة : احترامه للتقاليد التي سنها الآباء والأجداد ، واسترساله مع شهوات السكر واللهو التي ألفها .. ثم إعجابه بصلابة المسلمين ، واحتمالهم البلاء في سبيل عقيدتهم ، ثم الشكوك التي تساوره – كأي عاقل – في أن ما يدعو إليه الإسلام قد يكون أجل وأزكى من غيره ، ولهذا ما إن يثور حتى يخور ، ذهب ليقتل محمدا صلى الله عليه وسلم ثم ثنته عن عزمه كلمة . ولما علم بإسلام أخته وزوجها اقتحم عليهما البيت صاخبا متوعدا ، وضرب أخته فشجها ، وأعاد منظر الدم المراق إلى صوابه ، فخرجت نواحي البر والخير في نفسه ، وتناول ورقة كتبت فيها بعض الآيات ، وتلاها ، ثم قال : ما أحسن هذا الكلام وأكرمه .

واستكان عمر للحق ، فمشى إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم يعلن إسلامه . فلما خلصت نفسه من شوائبها ، وتاقت للإسلام ، كان مددا عظيما لجند الله ، فازداد المسلمون به منعة ، ووقعت في نفوس الكافرين منه حسرة .

قال ابن مسعود رضى الله عنه كان إسلام عمر فتحا وكانت هجرته نصرا وكانت إمارته رحمة .

وفي رواية ، قال : ما زلنا أعزة منذ أسلم عمر .

ورأت قريش أن أمر الإسلام ينمو ويعلو ، وأن وسائلها الأولى في محاربته لم تمنع انتشاره ، أو تنفر أنصاره ، فأعادت النظر في موقفها كله ، لترسم خطة جديدة أقسى وأحكم ، وأدق وأشمل .

–        انتهى –

                                   فاللهم صل وسلم على نبينا وحبيبنا محمد ” عليه الصلاة والسلام “

المراجع :

–        من كتاب المستطرف في كل فن مستظرف للمؤلف / شهاب الدين محمد الأبشيهي رحمه الله –  الباب الثاني : في العقل والذكاء والحمق وذمه وغير ذلك – ص 22 – طبعة : دار الكتب العلمية .

–        من كتاب صيد الخاطر للمؤلف الإمام / أبي الفرج ابن الجوزي رحمه الله – فصل : عناد مقيت وهوى أحمق – ص 345 ، 346 – طبعة : اليمامة .

–        من كتاب فقه السيرة للمؤلف الشيخ / محمد الغزالي رحمه الله – فصل : العرب حين البعثة ( ص 26 ) + فصل : إسلام حمزة وعمر رضي الله عنهما ( ص 125 ، 126 ) طبعة : دار البشير .

–         من كتاب عمر ابن الخطاب ثاني الخلفاء الراشدين للمؤلف أ / محمد رضا رحمه الله – فصل : حياة عمر بن الخطاب رضي الله عنه  ( ص 15 ) طبعة : دار الكتاب العربي .

–        من كتاب الرحيق المختوم للمؤلف الشيخ / صفي الدين المباركفوري رحمه الله – فصل : إسلام عمر بن الخطاب رضي الله عنه ( ص 101 ) طبعة : دار ابن حزم .

23. قطوف من السيرة المحمدية ” نبينا الكريم شخصية تخطيطية من الدرجة الأولى “

                   بسم الله الرحمن الرحيم

قطوف من السيرة المحمدية

على صاحبها أفضل الصلاة وأزكى التسليم

 ” العناوين “

تعريف التخطيط ، التخطيط في المجتمع الإسلامي بمكة ، رب العزة والجلال يخطط لنبيه صلى الله عليه وسلم آلية الدعوة ، النبي الكريم صلى الله عليه وسلم شخصية تخطيطية من الدرجة الأولى ، دورس وعبر من الهجرة الأولى والثانية للحبشة ، المراجع .

” التفاصيل “

تعريف التخطيط :

التخطيط هو دراسة البدائل المختلفة لأداء عمل معين ثم الوصول إلى أفضل البدائل الممكنة والتي تحقق هدفا معينا في وقت معين ، وفي حدود الامكانات المتاحة تحت الظروف والملابسات القائمة .

ويعتبر التخطيط من أهم وظائف القيادة الإدارية ، بل هو أول المراحل الإدارية لأي عمل عام .

التخطيط في المجتمع الإسلامي بمكة :

لقد كان المجتمع الاسلامي في بداية نشأته مجتمعا صغيرا يقوم على منهج محدد هو الدعوة إلى عبادة الله في الأرض ، وإقامة العدل والمساواة بين المسلمين ومن خالطهم من الناس .

والمجتمع الاسلامي في مختلف عصوره قد شهد صورا كثيرة من التخطيط ولم يكن ثمة خلاف بينه وبين التخطيط المعاصر إلا في الوسائل وحجم الخطة ، ولكنه في واقعه كان يشتمل على عناصر الإعداد والتنفيذ ويدخل في كافة نشاط الدولة السياسية والدينية والاجتماعية والاقتصادية والحربية .

رب العزة يخطط لنبيه الكريم صلى الله عليه وسلم آلية الدعوة وكيفيتها :

السياسات العامة والمبادئ والأسس التي تقوم عليها الدولة المسلمة هي من وضع الله سبحانه وتعالى . فهو جل شأنه يضع السياسة العامة ويبلغها الرسول صلى الله عليه وسلم ليقوم بالتنفيذ المرحلي مهتديا بالأسس والمبادئ المنزلة ، ومعتمدا على ما يناسب الظرف المعين حسبما يقرره هو ومستشاروه .

ظلت دعوة الرسول صلى الله عليه وسلم تعمل في الخفاء بضع سنوات قبل أن يأذن الله له بالجهر بها في قوله تعالى ( فاصدع بما تؤمر وأعرض عن المشركين ) ، وخطط له الله سبحانه وتعالى أن يبدأ بانذار عشيرته الأقربين لأنهم أولى ولأنهم إذا اقتنعوا بدعوته كان ذلك أدعى لبقية  الناس بالاقتناع بها فقال : ( وأنذر عشيرتك الأقربين واخفض جناحك لمن اتبعك من المؤمنين ، فإن عصوك فقل إني بريء مما تعملون وتوكل على العزيز الرحيم … )

 ومن جانب آخر حدد لنبيه الكريم صلى الله عليه وسلم أسلوب الدعوة فقال : ( ادع إلى سبيل ربك بالحكمة والموعظة الحسنة وجادلهم بالتي هي أحسن إن ربك هو أعلم بمن ضل عن سبيله وهو أعمل بالمهتدين ) ” سورة النحل – 125 ” .

نبينا الكريم شخصية تخطيطية من الدرجة الأولى :

التخطيط لتنفيذ السياسة العامة وهي دعوة الناس للإيمان بالله والتمسك بذلك الإيمان ومزاولة شعائره فقد ظهرت بادئ ذي بدء في أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم للمسلمين بالهجرة الأولى عند اشتداد وطأة قريش واضطادهم للمسلمين كما أسلفنا من قبل .

وكانت هجرة المسلمين للحبشة  دليلا قاطعا لدقة تخطيط الرسول صلى الله عليه وسلم لمستقبل الإسلام والحفاظ على المسلمين الأوائل – نواة الهداية – من أذى قريش .

دروس وعبر من الهجرتين للحبشة :

  • إن اثبات المؤمنين على عقيدتهم بعد أن ينزل بهم الأشرار والضالون أنواع العذاب والاضطهاد دليل على صدق إيمانهم وإخلاصهم في معتقداتهم ، وسمو أنفسهم وأرواحهم ، بحيث يرون ما هم عليه من راحة الضمير واطمئنان النفس والعقل ، وما يأملونه من رضى الله جل شأنه أعظم بكثير مما ينال أجسادهم من تعذيب وحرمان واضطهاد .
  • إن السيطرة في المؤمنين الصادقين والدعاة المخلصين ، تكون دائماً وأبداً لأرواحهم
    لا لأجسامهم ، وهم يسرعون إلى تلبية مطالب أرواحهم من حيث لا ينالون بما تطلبه جسومهم من راحة وشبع ولذة ، وبهذا تنصر الدعوات ، وبهذا تتحرر الجماهير من الظلمات والجهالات .
  • إن في قول الرسول صلى الله عليه وسلم ذلك القول لعمه أبو طالب ، وفي رفضه ما عرضته عليه قريش من مال وملك ، دليل على صدقه في دعوى الرسالة ، وحرصه على هداية الناس ، وكذلك ينبغي أن يكون الداعية مصمماً على الاستمرار في دعوته مهما تألب عليه المبطلون ، معرضاً عن إغراء  المبطلين بالجاه والمناصب ، فالمتاعب في سبيل الحق لدى المؤمنين راحة لضمائرهم وقلوبهم ورضى الله وجنته أعز وأغلى عندهم من كل مناصب الدنيا وجاهها وأموالها .
  • إن على الداعية أن يجتمع بأنصاره على فترات في كل نهار أو أسبوع ، ليزيدهم إيماناً بدعوتهم وليعلمهم طرقها وأساليبها وآدابها ، وإذا خشي على نفسه وجماعته من الاجتماع بهم علناً وجب عليه أن يكون اجتماعه بهم سراً لئلا يجمع المبطلون أمرهم فيقضوا عليهم جميعاً ، أو يزدادوا في تعذيبهم واضطهادهم .
  • إن على الداعية أن يهتم بأقربائه ، فيبلغهم دعوة الإصلاح ، فإذا أعرضوا كان له عذر أمام الله والناس عما هم عليه من فساد وضلال .
  • أن على الداعية اذا وجد جماعته في خطر على حياتهم أو معتقداتهم من الفتنة ، أن  يهيىء لهم مكاناً يأمنون فيه من عدوان المبطلين ، ولا ينافي ذلك ما يجب على دعاة الحق من تضحية ، فإنهم إذا كانوا قلة استطاع المبطلون أن يقضوا عليهم قضاءا  مبرماً ، فيتخلصوا من دعوتهم ، وفي وجودهم في مكان آمن  ضمان لاستمرار الدعوة وانتشارها .
  • إن في أمر الرسول صلى الله عليه وسلم أولاً وثانياً بالهجرة إلى الحبشة ما يدل على ان رابطة الدين بين المتدينين ولو اختلفت دياناتهم هي أقوى وأوثق من رابطتهم مع الوثنيين والملحدين فالديانات السماوية في مصدرها وأصولها الصحيحة متفقة في الأهداف الاجتماعية الكبرى ، كما هي متفقة في الإيمان بالله ورسله واليوم الآخر ، وهذا ما يجعل وشائج القربى بينها أوثق من أية وشيجة من قرابة أو دم أو موطن مع الإلحاد والوثنية والكفر بشرائع الله .
  • إن المبطلين لا يستسلمون أمام أهل الحق بسهولة ويسر ، فهم كلما أخفقت لهم وسيلة من وسائل المقاومة والقضاء على دعوة الحق ابتكروا وسائل أخرى ، وهكذا حتى ينصر الحق انتصاره النهائي ويلفظ الباطل أنفاسه الأخيرة .

–        انتهى –

                                   فاللهم صل وسلم على نبينا وحبيبنا محمد ” عليه الصلاة والسلام “

المراجع :

–        من كتاب الإدارة في الاسلام للمؤلف د / أحمد إبراهيم أبو سن  –  القسم الثاني : العملية الإدارية في الإسلام – الفصل الخامس : التخطيط والتنظيم .

–        من كتاب دروس وعبر من السيرة النبوية للمؤلف أ / مصطفى السباعي – الفصل الثامن : مبحث : التنادي بالجهاد .